وولستريت يحتفل بالموت

١١ حزيران يونيو ٢٠٢٠

تجاوز أمس، الرابع عشر من أبريل، عدد الوفيات بسبب جائحة الفايروس التاجي المستجد، 126ألفاً على مستوى العالم. أما في الولايات المتحدة فقد مات أكثر من 2400 شخص يوم الثلاثاء، بحيث ارتفع عدد الموتى على المستوى الوطني إلى 26 ألفاً. وهذه الأرقام الرسمية هي بدون شك أقل بشكل كبير من عدد الأشخاص الذين ماتوا نتيجة إصابتهم بالفايروس التاجي.

لم يسبق للولايات المتحدة منذ العقد الثالث من القرن العشرين تجربة أزمة على ترابها كان لها مثل هذا التأثير على الرخاء الاجتماعي للشعب الأمريكي. لقد أظهرت الصور مقابر جماعية حٌفرت في مدينة نيويورك، وأكياس جثث تملأ مستشفيات ديترويت،وطوابير لا نهاية لها من السيارات والسائقين ينتظرون الحصول على أكل لإطعام عائلاتهم تذكرنا بصور دوروثيا لانج عن فترة الكساد. ثمة عشرات الملايين من الأمريكيين دون دخل و يفتقرون إلى مدخرات كافية لتغطية الرهون العقارية والإيجارات، وأقساط التأمين، وفوائد القروض المستحقة، وغيرها من النفقات اليومية والاسبوعية والشهرية التي لا مفر منها. وهناك أكثر من 16 مليون قدموا طلبات للحصول على وضعية البطالة.  وسيتطلب الأمر أسابيع إن لم يكن شهور قبل أن تصل شيكات البطالة الخاصة بهم. ولم تظهر دفعة 1200$ الموعودة التي يفترض أنها جزء من خطة (كيرز)  التي أقرها الكونجرس الشهر الماضي إلا في عدد قليل من الحسابات المصرفية.

نحن على أعتاب كارثة اجتماعية، أما تلويح الإعلام " ببصيص أمل" فلا علاقة له بالواقع كما عايشته أغلبية واسعة من الشعب. كما أن الإشارة إلى " ذروات" و إلى " هضاب " هي ذات سمة افتراضية إلى حد بعيد. فالوباء ينتشر عبر أرجاء البلاد. أما ما يخص الملايين الذين ما زال لديهم عمل، فإن الخروج إلى العمل يعني وجود مخاطر جدية لتعرضهم للفايروس التاجي. 

و لكن الآن وفي خضم هذه الأزمة الهائلة، هناك فئة صغيرة واحدة من الشعب ازدهرت أوضاعها خلال زمن الاضطرابات هذا.

فقبل أكثر من ثلاثة أسابيع، في الثالث والعشرين من مارس أغلق متوسط مؤشرالأسهم في داو جونز الصناعية على18,591 . أما خلال الأسابيع الخمسة السابقة، حين تم الإقرار بخطورة الجائحة  تدرجياً  بعد معارضة ، انخفض مؤشر الأسهم ما يقارب 35% عن النقطة العالية 29,551  الذي سجلها في الثالث عشر من فبراير. 

ومنذ الثالث والعشرين من مارس ارتفع رقمان بشكل متسق، هما عدد الوفيات بفايروس كورونا و متوسط مؤشر داو جونز الصناعي ( بالتوافق مع معظم مؤشرات الأسواق مثل S&P و NASDAQ ). 

وفي الثالث والعشرين من مارس، وصل عدد ضحايا الجائحة في الولايات المتحدة إلى 556. وخلال الأيام الأربعة التالية وافق الكونغرس  بتسرع على دعم هيئات الشركات والمستثمرين بعدة ترليونات من الدولارات.   وفي السابع وعشرين من مارس صار " قانون كيرز"موضع تنفيذ. وفي ذلك اليوم أغلق مؤشر داو جونز الصناعي على21,636 . وقد أدى توقع التمرير السريع لخطة الإنقاذ إلى رفع مؤشر السوق بما يقارب 3000 نقطة في أربعة أيام فقط. إنما بين 23 مارس و27 منه تضاعف عدد وفيات الجائحة في الولايات المتحدة بما يقارب الثلاث مرات حيث وصل إلى1,697 .

وخلال أسبوع الثلاثين من مارس ، استمر تصاعد ضحايا الجائحة بشكل انفجاري. ومع حلول يوم الجمعة الثالث من أبريل  وصل عدد الضحايا إلى7,139 . وخلال نهاية الأسبوع فكر الإعلام بتحضير الجمهور لمزيد من الارتفاع السريع في عدد الموتى. إنما كان هناك تغيير في نغمة سردية وسائل الإعلام. حيث صارت جمل "بشائر طيبة"، و" تدوير الزوايا"، وبالطبع "بصيص الأمل" جزء من مفردات بروباغاندا وسائل الإعلام. وترافق هذا بحملة عدائية متصاعدة للعودة إلى العمل في وقت سريع إلى حد ما. 

وعلى مدار الأسبوع ، بين الارتفاع السريع في عدد القتلى الأبعاد المتزايدة للمأساة الاجتماعية. إن ارتفاع متوسط مؤشرات السوق يعكس توقعات النخبة التي حصلت على هدية من الحكومة بتريليونات الدولارات، بحيث ستخرج من الأزمة أكثر ثراء وسلطة من أي وقت سابق. 

ومع حلول يوم الإثنين السادس من أبريل  بلغ عدد الوفيات بالفايروس التاجي 10,895 وأغلق مؤشر داو على22,697 . وفي التاسع من أبريل ارتفع عدد الموتى إلى 16,712 وأغلق مؤشر داو على23,319. وأمس ومع تجاوز عدد الوفيات 26,000 تابع المستثمرون والمضاربون بفرح تحقيق مؤشر داو 569 نقطة إضافية ليغلق على23,935 .

لندع القاريء يتوقف عند هذه الأرقام. فمنذ 23 مارس قيل، وفق الاحصائيات الرسمية، أن الجائحة قضت على حياة أكثر من 25 الف شخص في الولايات المتحدة. وخلال الفترة ذاتها ارتفع مؤشر داو جونز الصناعي بأكثر من 30%.

لا يوجد على السطح أي مستجدات اقتصادية تبرر النمو السريع غير العادي في الأسواق. بل في الواقع كل المعلومات تؤكد أن التداعيات العالمية للجائحة يمكن أن تكون جدية وطويلة مثل كساد العقد الثالث من القرن العشرين.

ففي صباح الأمس أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً حمل عنوان:" الإغلاق الكامل العظيم: أسوأ كساد اقتصادي منذ الكساد العظيم"، كتبه كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي غيتا كوبيناث،  ووصف التقرير الوضع القائم " بأزمة لا سابق لهاً"،  وتوقع تراجع طويل في النمو الاقتصادي الشامل. " وهذا يجعل من الإغلاق الشامل أسوأ كساد منذ الكساد العظيم، وهو أسوأ بكثير من الأزمة المالية الشاملة (2008-2009). وتابع التقرير: 

يمكن أن تصل الخسارة التراكمية للناتج المحلي 2020-2021 إلى قرابة 9 تريليون دولار، وهذا أضخم من اقتصادي اليابان وألمانيا مجتمعين. 

من الواضح الإسقاطات الاقتصادية الجارية ليست هي التي ولدت النشوة في وول ستريت، ومن المستبعد بقوة، مع اشتداد انكماش النمو الشامل  بقساوة أشد،أنه يمكن المحافظة على هذا الارتفاع في أسعار الأسهم. إنما في وقتنا الحالي، فإن النشوة التي ولدتها ترليونات الدولارات من المال غير المقيد وغير الخاضع لأي رقابة الذي قدمه صندوق التحوط الفيدرالي،  والتوقعات بأن الأزمة ستمنح الطغمة المالية في الولايات المتحدة وكذلك في أوروبا فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد الرأسمالي والعلاقات الطبقية  بحيث تسهل وتسرع نقل الثروة إلى خزائن الطبقة الرأسمالية. 

لكن ثمة عامل آخر سيعيق هذه النشوة ؛ وهو نمو المقاومة الاجتماعية لدى الطبقة العاملة التي تطور أفكارها الخاصة حول الكيفية التي يجب على اساسها إعادة هيكلة الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي، وكيفية إعادة توزيع الثروة.

دافيد نورث