احتجاجات السترات الصفراء في فرنسا والانبعاث الشامل للصراع الطبقي.

By آليكس لانتييه
٨ أيار مايو ٢٠١٩

في يوم السبت الواقع في 4 مايو نظمت اللجنة الدولية للأممية الرابعة الملتقى الافتراضي الدولي للاحتفال بيوم الأول من مايو وهو الملتقى السادس الذي تنظمه اللجنة الدولية وهي الحركة التروتسكية العالمية . تضمن الملتقى خطابات حول مختلف مظاهر الأزمة الرأسمالية العالمية وحول نضالات الطبقة العاملة الدولية ألقاها 12 عضو قيادي من الحزب العالمي ومن فروعه ومن المنظمات المناصرة له حول العالم.

وفي ما يلي كلمة السكرتير الوطني لحزب المساواة الاشتراكية في فرنسا.

أنا سعيد بحمل تحيات حزب المساواة الاشتراكية في فرنسا إلى هذا التجمع الدولي بمناسبة الأول من أيار. نحن نحتفل باليوم العالمي للطبقة العاملة في وقت يهز فيه انبعاث الصراع الطبقي كل أوروبا . ففي فرنسا احتج " السترات الصفراء" طوال ما يقارب الستة أشهر ضد سياسات التقشف ، والنزعة العسكرية وقمع الشرطة التي يتبعها إيمانويل ماركون .

هذه الحركة التي قام بها مئات آلاف العمال وكذلك أصحاب المهن الحرة وصغار التجار انبثقت في البداية على شبكات التواصل الاجتماعي، وتطورت بشكل كامل خارج إطار المؤسسات التقليدية للسياسة الرسمية. استجابت لهذا النقابات والأحزاب القائمة  التي ادعت على مدى عقود من السنين تمثيل اليسار، مثل الحزب الشيوعي الفرنسي وحزب مناهضة الرأسمالية الجديد، بموقف عدائي علني من إطلاق الحركة التي ربطوها في البداية بتمرد الفاشيين الجدد.

طالب " السترات الصفراء" باستقالة رئيس جمهورية غير شرعي والذي هو " رئيس الأغنياء" فقط . حظيت الاحتجاجات بدعم أغلبية واسعة من العمال وواجهت شرطة الدولة الفرنسية التي أوقفت أكثر من ستة آلاف من " السترات الصفراء" و اعتقلت إصابات بألف آخرين بما في ذلك العشرات ممن فقدوا عين بسبب الرصاص أو قطعت أيديهم تحت تأثير قنابل الشرطة. ومنذ أن بدأ ملايين العمال والشبان الجزائريين الاحتجاج مطالبين بإسقاط الديكتاتورية العسكرية قام عشرات الآلاف من الجزائريين في فرنسا بالاحتجاج التضامني بعد استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

تصاعد الصراع الطبقي عبر أوروبا من خلال إضراب عمال النقل في برلين في ألمانيا، والإضراب الوطني ليوم واحد في بلجيكا، وإضرابات الطلاب الألبانيين طلباُ لتخفيض الرسوم. وفي الشرق تسعى النقابات الآن لخنق أول إضراب وطني للمدرسين منذ إعادة الرأسمالية إلى بولونيا على يد الستالينيين عام 1989 وهو إضراب هز بعمق حكومة بولونيا اليمينية المتطرفة.

وإلى الجنوب في البرتغال نظمت الممرضات إضراب عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مستقل عن النقابات المرتبطة بالحكومة الاشتراكية الديمقراطية، وكذلك فعل عمال الموانئ، وسائقو الشاحنات، وعمال المصافي والمعلمون.

هذه النضالات تثبت صحة المنظور التروتسكي للجنة الدولية للأممية الرابعة. وصار رفض  إملاءات البنوك والمطالبة بتغيير اقتصادي عميق ومزاج مؤيد لنضال بلا هوادة يهيمن على الطبقة العاملة. إن تفكيك الاتحاد السوفيتي من قبل الستالينيين عام 1991 لم يدشن " نهاية التاريخ" ولا الانتصار النهائي للديمقراطية الرأسمالية. لقد انتهت الحقبة التي كانت فيها هذه الأحداث قادرة على قمع الصراع الطبقي.

وبعد ثلاثة عقود من السنين من الحروب الإمبريالية ، وبعد عقد من السنين من أزمة اقتصادية عميقة منذ الانهيار المالي لعام 2008 عاد شبح الإطاحة الثورية بالرأسمالية من خلال فعل سياسي واع من قبل الطبقة العاملة ليؤرق من جديد الطبقة الحاكمة.

إن مجلة لوموند ديبلوماتيك قد وصفت ردة فعل الأرستقراطية المالية بالرعب. وليس الرعب من خسارة انتخابات ، أو الفشل في تمرير تراجعات اجتماعية محددة، أو خسارة مخزون السوق بل الخوف من تمرد ومن ثورة ومن الفقر المدقع". وعلى مدى نصف قرن من الزمان لم تشعر النخبة الفرنسية بمثل هذا الرعب. وفي هذا السياق كتبت مجلة (لوبينيون) المالية عن " رعب رجال الأعمال" من أن ينتهي الأمر ورؤوسهم مرفوعة على أسنة الحراب، وهم يتداولون فيما بينهم حول الإضرابات العامة التي شهدتها فرنسا عامي 1936 و 1968.

فبعد ستة أشهر من إضرابات " السترات الصفراء" صار من الواضح أنه لن يكون هناك مخرج إصلاحي للصراع الطبقي . لا ماكرون ، الذي أعلن عن إعجابه بالديكتاتور الفاشي فيليب بيتان، ولا جلادو الديكتاتورية العسكرية الجزائرية التي قتلت مئات الآلاف خلال الحرب الأهلية الجزائرية في العقد التاسع من القرن العشرين يمكن أن يقدما أي شيء للعمال.

البدائل المطروحة أمام العمال ليست بين الإصلاح أو الثورة بل بين الثورة والثورة المضادة . فبعد اندلاع الإضرابات الجماهيرية في الجزائر دعا ماكرون لإرسال الجيش لمساعدة الشرطة في مواجهة " السترات الصفراء" مع منحهم الإذن بإطلاق الرصاص. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها نشر الجيش الفرنسي ضد احتجاجات اجتماعية منذ " الإضرابات التمردية" 1947-1948 عندما قامت الطبقة الرأسمالية بإغراق آخر نضالات العمال الكبرى ضد حكم فاشي بالدماء وبقرارات اقالة جماعية .

ويمكن للمرء تحديد بعض الحسابات التي أجرتها حكومة ماكرون. راقب العمال نتيجة الانتفاضة الثورية لعمال مصر عام 2011 حيث انتهت ثلاث سنوات من النضال البطولي بانقلاب عام2013   الدموي قاده الجنرال عبد الفناح السيسي بدعم من الولايات المتحدة . وبشكل مماثل ينتظر النظام الجزائري الوقت المناسب و بدأ بالإعداد للقمع بالتنسيق مع باريس هذه المرة.

لكن بهدف تحطيم عمال الجزائر تريد باريس التأكد أولاً من أن مثل هذا القمع لن يحرض انفجار اجتماعي خارج عن السيطرة في الوطن . و قد كان هناك 20 ألف جزائري تظاهروا في فرنسا و يأمل ماكرون باستخدام الجيش لإجبار " السترات الصفراء " على الخضوع.

إن الاحتفال بالأول من أيار هذا الذي تنظمه اللجنة الدولية للأممية الرابعة هو استجابة الأكثر وعياً وسياسياً للطبقة العاملة العالمية.

والسير قدماُ على طريق حشد أوسع جماهير الطبقة العاملة في النضال الدولي للاستيلاء على سلطة الدولة وبناء الاشتراكية.

وبهدف حشد العمال في النضال يجب بناء اللجنة الدولية للأممية الرابعة بوصفها القيادة الثورية للبروليتاريا. كانت الثورة المصرية درساً لا ينسى ، كلف دماء الآلاف، ومفاده أن الاحتجاجات النضالية لا تكفي للإطاحة بنخبة حاكمة راسخة. فالعمال يحتاجون  إلى لجان عمل مستقلة خاصة بهم ويحتاجون قبل كل شيء إلى  المنظور السياسي للطليعة التروتسكية.

يشعر العمال الذين يخوضون النضال، بما في ذلك العديد من " السترات الصفراء" بشكل متزايد بالحاجة للتنظيم لكن لا يمكن أن يتم تنظيمهم من خلال البيروقراطية القديمة. إن انبعاث النضال الطبقي لم ينبثق من مناورات النقابات أو الأحزاب المرتبطة بالستالينية أو بالاشتراكية الديمقراطية.

قامت حركة " السترات الصفراء" ، كما أشار حزب المساواة الاشتراكية ، بإدانة النقابات والأحزاب السياسية المتحالفة بوصفها انتهازية، وجبانة وقبل كل شيء أدانت عناصرها من ذوي الامتيازات المدفوعة من قبل عالم الأعمال لكي يقوموا بخنق نضالات العمال ومنع اندلاع الثورة التي يريدونها.

إن الحركات التي تتطور في أوروبا هي المرحلة الأولى من عملية واسعة من جنوح نحو الراديكالية ظهرت في صفوف الطبقة العاملة الدولية. إن هذه الإضرابات والاحتجاجات تشير إلى نضالات أكبر بكثير ستندلع حول العالم. إن الحركة الوحيدة القادرة على تزويد العمال بمنظور ثوري هي اللجنة الدولية للأممية الرابعة . هذا المنظور الذي تم تقديمه إلى العمال الذين تحولوا إلى مواقف سياسية راديكالية في سائر أرجاء القارة الأوروبية وهذا نضال في سبيل بناء الولايات المتحدة الأوروبية الاشتراكية.