ثمان وسبعون عام على اغتيال ليون تروتسكي

٢١ آب أغسطس ٢٠١٨

قبل ثمانية وسبعين سنة ، في الحادي والعشرين من شهر أغسطس 1940 ، مات ليون تروتسكي في مدينة مكسيكو متأثراً بالجرح الذي أصابه به ، في اليوم السابق، رامون ميركادر ديل ريو ،هو عاملللغيبو جهاز الشرطة السرية الستاليني السوفيتي.

إن اغتيال تروتسكي ،شريك لينين في قيادة الثورة الروسية وقائد الجيش الأحمر

ومؤسس الأممية الرابعة كان جريمة سياسية فظيعة. وكان ذروة موجة من ممارسات العنف من قبل الثورة المضادة تضمنت وصول الفاشية إلى السلطة في ألمانيا عام 1933 ، وهزيمة الثورة الإسبانية 1936-1939، و اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939.

وشهد الاتحاد السوفيتي حملة إبادة سياسية نفذها النظام الستاليني ضد العمال والمثقفين اللذين تثقفوا وفق التقليد الماركسي ، وشملت الحملة، تقريباً، كل قادة الثورة الروسية الرئيسيين . وشهدت حملة الإرهاب الكبرى مقتل أكثر من 800 ألف شخص. وكما كتب تروتسكي في عام 1937 في بحث حمل عنوان " الستالينية والبلشفية" :" إن حملة التطهير الحالية لم ترسم خطاً دموياً يفصل بين البلشفية والستالينية بل رسمت نهراً كاملاً من الدماء".

قاد تروتسكي الحركة السياسية التي عارضت الانحطاط البيروقراطي والقومي للاتحاد السوفيتي. لم يكن نضال تروتسكي ضد ستالين ، كما أورد خطأ عدد لا يحصى من المؤرخين، مدفوعاً بطموحات ذاتية تتعلق بالسلطة الشخصية ، بل بالأحرى عكس ذلك النضال منظورين سياسيين متعارضين.

إن تعزيز مكانة ستالين في السلطة في الاتحاد السوفيتي ، الذي سهله موت لينين عام 1924، كان استغلالاً للسلطة من قبل زمرة بيروقراطية قومية رجعية ظهرت ضمن إطار دولة العمال المتخلفة اقتصاديا والمعزولة دولياً.

إن نظرية ستالين حول "الاشتراكية في بلد واحد " التي طرحت لأول مرة عام 1924، تتنافى مع المنظور الأممي للثورة الروسية ، وتبرر إخضاع الثورة العالمية لمصالح الجهاز البيروقراطي في الاتحاد السوفيتي .

إن المعارضة اليسارية ، التي أطلقها تروتسكي عام 1923 ، والأممية الرابعة التي أسسها عام 1938 ، استرشدتا بنظرية الثورة الدائمة التي كانت القاعدة النظرية للثورة الروسية نفسها. وشدد تروتسكي على أن إقامة مجتمع اشتراكي أصيل في بلد واحد مستحيل . إن الإطاحة بحكومة قومية رأسمالية لا يمكن أن يكون إلا بداية صيرورة الانتقال إلى الاشتراكية . و بالأحرى لم يكن من الممكن تجاوز هذا القانون التاريخي في بلد متخلف اقتصادياً. إن تحقيق الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي يتطلب الإطاحة بالرأسمالية من قبل الطبقة العاملة في البلدان المتقدمة في غرب أوروبا وشمال أمريكا.

عاش تروتسكي في المنفى في مدينة مكسيكو وأدرك أن حياته كانت تحت وطأة تهديد مستمر . وهو لجأ إلى أمريكا الشمالية إثر طرده من الحزب الشيوعي الروسي في نوفمبر من عام 1927 ، وتلا ذلك نفيه إلى مدينة المآتا في يناير 1928 ، ومن ثم طرده من الاتحاد السوفيتي عام 1929 وبعدها فر من تركيا عبر فرنسا والنرويج ليصل إلى محطته الأخيرة في مكسيكو عام 1937.

وبحلول عام 1940 كان ستالين قد اغتال الكثيرين من أبرز ممثلي الأممية الرابعة بما في ذلك إروين وولف السكرتير السياسي لتروتسكي الذي اغتيل في يوليو 1937 ، وكذلك إغناس رايس، الذي فر من جهاز الغيبو وكان من أنصار الأممية الرابعة ، واغتيل في أيلول 1937. كما تم اغتيال ابن تروتسكي ليون سيدوف في فبراير 1938 ، ورودولف كليمانت سكرتير الأممية الرابعة الذي اغتيل في يوليو 1938 عشية انعقاد المؤتمر التأسيسي.

وفي الرابع والعشرين من مايو 1940، قامت فرقة اغتيال ترأسها الرسام الستاليني دافيد سيكريوس بمهاجمة بيت تروتسكي مستخدمة الأسلحة الآلية ونشرت طلقاتها في الغرفة التي كان ينام فيها تروتسكي وزوجته ناتاليا سيدوفا. صحيح أنهما تمكنا من النجاة بحياتهما لكن تروتسكي عرف أنها لن تكون المحاولة الأخيرة وكتب إثر الهجوم " أعيش في هذا العالم لا وفق القواعد بل كاستثناء لها. ففي حقبة رجعية مثل التي نعيش فيها على الثوري السباحة ضد التيار".

بعدها في العشرين من أغسطس عندما كان العالم منشغلاً بالحرب العالمية الثانية كان القاتل عميل ستالين يحضر الضربة النهائية التي استهدفت أعظم ماركسييواستراتيجيالثورة العالمية.

وعلى الرغم من الطابع المأساوي لاغتيال تروتسكي وتداعياته بعيد المدى لكن لم يتم التحقيق بشكل جدي بالجريمة حتى قيام اللجنة الدولية للأممية الرابعة بإطلاق عملية التحقيق باسمالأمنوالأممية الرابعة عام 1975.

توصل التحقيق باسم الأمن والأممية الرابعة إلى الكشف عن مجموعات من القرائن التي تثبت أن اغتيال تروتسكي وأنصاره قد تم تنسيقه عبر شبكة شاملة من الجواسيس ومن القتلة اخترقت الحركة التروتسكية وهي تشمل مارك زوبوروسكي ، وروبرت شيلدون هارت ، وفلويد كليفلاند ميلر ، وسيلفيا كالن وجوزيف هانسن .

كانت سيلفيا كالن السكرتيرة الشخصية لزعيم حزب العمالالاشتراكيينجيمس .ب. كانون وهو موقع استخدمته لتزويد الغيبو بمعلومات هامة عن نشاطات تروتسكي . وكان هانسن واحداً من سكرتيري تروتسكي في مدينة مكسيكو وهو موقع مكنه من اتخاذ قرارات حاسمة سهلت المؤامرة على حياة تروتسكي .

إن الفشل في التحقيق في هذه الجريمة لم يقتصر على التغطية على المتورطين في اقترافها بل أنه أعاق عملية فهم طبيعة الثورة المضادة الستالينية . وكانت هذه التغطية ذات دوافع سياسية قبل كل شيء. ففي عام 1953 تم شق الأممية الرابعة من قبل جناح مناصر لستالين قاده مايكل بابلو وإرنست ماندل . وفي حين لا يزال الاثنان يحاولان تمثيل نفسيهما بوصفهما تروتسكيين لكن البابلويين طرحوا نظرية تحريفية مفادها إمكانية الضغط على البيروقراطية الستالينية لتتبنى سياسات ثورية .

ترافق هذا التوجه السياسي إلي الستالينية بعداء ضار ضد أي جهد لكشف جرائمه. وعندما كشفت اللجنة الدولية للأممية الرابعة والأمن شبكة عملاء الغيبو التي اخترقت الأممية الرابعة وأثبتت وجود علاقة لم تكن معروفة في السابق ربطت بين هانسن وكل من الغيبو و الإيف.بي.أي. رد البابلويون بحملة افتراء دولية .ورفضوا، بشكل قطعي، دعوة اللجنة الدولية للأممية الرابعة لتشكيل لجنة متوازنة تتضمن عدد متساو من ممثلي اللجة الدولية ومن المنظمة البابلوية الدولية لتفحص القرائن المكتشفة من قبل اللجنة الدولية للأممية الرابعة .

في الرباع عشر من يناير 1977 نظمت سكرتارية البابلويين المتحدين اجتماع علني بهدف إدانة تحقيق الأمن والأممية الرابعة وجيري هيلي الذي كان وقتها قائد الفرع البريطاني للجنة الدولية . وعلى مدى ساعتين قام بابلوييون بارزون وحلفائهم ، بما في ذلك إرنست مندل و جورج نوفاك وبيير لامبرت وطارق علي ، بإطلاق الشتائم والإهانات من منبر الخطابة ، لكن لم يشر أحد منهم إلى القرائن التي نشرتها اللجنة الدولية .

وعندما نهض جيري هيللي، الذي كان الهدف الرئيسي لإهاناتهم ، من بين صفوف الحاضرين بوصفه الخطيب الرئيسي للرد على الاتهامات وكرر دعوة اللجنة الدولية للأممية الرابعة لتشكيل لجنة متساوية بادر طارق علي رئيس الاجتماع لاعتباره مخل بالنظام ورفض السماح له بالكلام. ومن الجدير بالذكر أن طارق علي تحول إلى معجب متحمس بميخائيل غورباتشوف وبوريس يلتسن وأعلن قطعه علاقة مع التروتسكية قبل عقود من الزمن .

لقد أثبتت الأيام صحة كل القرائن التي كشفها التحقيق الذي أجرته اللجنة الدولية لكن حتى يومنا هذا ما زال من تبقى من الأحزاب البابلوية وزعمائهملا يعترفون بأن هجومهم على اللجنة الدولية كان افتراء.

بالنسبة إلى اللجنة الدولية ، لم يكن موضوع تحقيق الأمن والأممية الرابعة مجرد مسألة للكشف عن عملاء بل كان إيضاح القضايا السياسية الجوهريةالمرتبطة بالطبيعة المضادة للثورة البيروقراطية الستالينية والدولة الرأسمالية.

وكان الأمر مرتبط بشكل لا يمكن فصله بالنضال ضد التحريفية البابلوية وضد كل الجهود للتغطية على جرائم الستالينية .

وكان الإنجاز العظيم هو الكشف عن وقائع لم تكن معروفة في السابق حول آلية المؤامرة الستالينية ومداها وتعليم كوادر التروتسكيين من التجارب التاريخية للحركة وطبيعة الستالينية ودور التحريفية البابلوية .

فيما يتعلق بجيل جديد من العمال ومن الشباب المسيسين في مرحلة فرض رقابة الدولة الواسعة و القمع السياسي فإن حماية استقلال حركة العمال، بالمعنيين المادي والسياسي ، يمثل قضية حياة أو موت. وهم سيجدون في التحقيق الذي أجرته اللجنة الدولية للأممية الرابعة دروساً سياسية حاسمة فيما يتعلق بالدفاع عن العمال وعن الحركة الاشتراكية ضد وكلاء الدولة الرأسمالية.

إن تحقيق الأمن والأممية الرابعةالذي أجرتهاللجنة الدولية يمثل جزء هام من الموروث الثوري للجنة الدولية التي كانت المنظمة الوحيدة التي أعدت حملة نضال لكشف جرائم الغيبو في وقت كانت فيه الأنظمة الستالينية ما تزال ممسكة بالسلطة وتمارس نفوذ سياسيواسع. وهو أثبت عملياً أن اللجنة الدولية للأممية الرابعة مخلصة لمبادئ التروتسكية ولم تقبل بالمساومة في نضالها ضد الإمبريالية وضد كل وكلائها السياسيين .

وفي هذا اليوم ، يوم الذكرى الثامنة والسبعين لاغتيال تروتسكي تحيي اللجنة الدولية ذكرى هذا الثوري الاستثنائي وهي مستمرة في النضال في سبيل مبادئ وبرنامج الاشتراكية العالمية التي كرّس تروتسكي حياته لها .

إيريك لندن و دافيد نورث