لماذا دراسة الثورة الروسية

دافيد نورث
١٢ حزيران يونيو ٢٠١٧

هذه هي المحاضرة الأولى من سلسلة من خمس محاضرات أعدتها اللجنة الدولية للأممية الرابعة لإحياء الذكرى المئوية لثورة 1917 الروسية . عنوان المحاضرة هو " لماذا دراسة الثورة الروسية؟ " وسأضحي بعامل التشويق من خلال الإجابة على هذا السؤال في مقدمة العرض بدلاً من تأخيره إلى الخاتمة .

ثمة عشرة أسباب تفرض دراسة الثورة الروسية :

السبب الأول : كانت الثورة الروسية أهم حدث سياسي تقدمي في القرن العشرين . فعلى الرغم من النهاية المأساوية، لاحقاً، للاتحاد السوفياتي – الذي تم تدميره نتيجة خيانة البيروقراطية الستالينية وجرائمها - فلم يكن لأي حدث آخر ، خلال القرن المنصرم، تداعيات مماثلة بعيدة المدى مست حياة مئات ملايين البشر في كل أرجاء الكوكب .

السبب الثاني : إن الثورة الروسية، التي توجت باستيلاء الحزب البلشفي على السلطة في تشرين الثاني أكتوبر 1917 ، دشنت مرحلة جديدة في تاريخ العالم . إن الإطاحة بالحكومة البرجوازية المؤقتة أثبت أن البديل للرأسمالية ليس حلماً طوباوياً، بل كان احتمالاً واقعياً يمكن إنجازه من خلال النضال السياسي الواعي للطبقة العاملة .

السبب الثالث : إن الثورة الروسية جسدت ، عملياً، المفهوم المادي للتاريخ كما صاغه ماركس و إنجلز في البيان الشيوعي . كما أن إقامة السلطة السوفيتية تحت قيادة الحزب البلشفي أكد صحة عنصر جوهري من نظرية ماركس الخاصة بالتاريخ " أن الصراع الطبقي يقود بالضرورة إلى ديكتاتورية البروليتاريا ". [1]

السبب الرابع : أدى التطور الموضوعي للثورة الروسية إلى إثبات صحة المنظور الاستراتيجي الذي بادر ليون تروتسكي إلى صياغته بين 1906 و 1907 ، والمعروف بنظرية الثورة الدائمة . حيث تنبأ تروتسكي بأن الثورة الديمقراطية في روسيا – التي تقتضي الإطاحة بالاستبداد القيصري ، وتدمير كل بقايا الاقتصاد شبه الإقطاعي والعلاقات السياسية ، وإلغاء الاضطهاد القومي – لا يمكن أن تنجز إلا باستيلاء الطبقة العاملة على سلطة الدولة . إن الثورة الديمقراطية التي تلعب فيها الطبقة العاملة الدور القيادي في مواجهة الطبقة الرأسمالية، ستتطور سريعاً إلى ثورة اشتراكية .

السبب الخامس : إن استيلاء الحزب البلشفي على السلطة في أكتوبر 1917 وإقامة أول دولة حفزت لدى العمال تطور هائل في الوعي الطبقي ألهم الطبقة العاملة وجماهير المضطهدين وحفز الوعي السياسي في سائر أرجاء العالم . إن الثورة الروسية دشنت بداية نهاية نظام الحكم الاستعماري القديم الذي أقامته الإمبريالية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأدت إلى تجذير الطبقة العاملة وأطلقت حركة ثورية بين صفوف الجماهير المضطهدة في كل العالم . إن المكاسب الاجتماعية الكبرى بالنسبة للطبقة العاملة الدولية ، بما في ذلك تشكيل الاتحادات العمالية الصناعية في الولايات المتحدة في العقد الثالث من القرن العشرين ، وهزيمة ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية ، وتطبيق سياسات الرفاه الاجتماعي في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، كانت من نتائج الثورة الروسية .

السبب السادس : في خضم صراعه ضد الحرب الإمبريالية ، برهن الحزب البلشفي، على المستويين النظري والعملي، أن الأممية الاشتراكية هي الأساس الجوهري للاستراتيجية الثورية وللنضال العملي للوصول إلى السلطة . كان مصير الثورة الروسية المنبثقة من تناقضات النظام الرأسمالي مرتبطاً بتطور الثورة الاشتراكية العالمية . وكان تروتسكي قد شرح الموضوع :

" من غير الوارد إنجاز الثورة الاشتراكية ضمن الحدود القومية . إن من أهم مبررات أزمة المجتمع البورجوازي واقع أن القوى المنتجة التي خلقها لم تعد قادرة على الانسجام مع نموذج الدولة القومية . وبالتالي يترتب على هذا من جهة اندلاع حروب إمبريالية، ومن جهة أخرى بروز وهم اتحاد الدول الأوروبية البورجوازية . إن الثورة الاشتراكية تبدأ على الحلبة القومية وتنتشر في الحلبة الدولية وتنجز على مستوى العالم وعلى هذا تتحول الثورة الاشتراكية إلى ثورة دائمة بمعنى أحدث وأوسع للكلمة وهي لا تبلغ مرحلة الإنجاز إلا مع النصر النهائي للمجتمع الجديد الذي يشمل الكوكب بأسره .[2]"

من الصعب تصديق أن هذه الكلمات كتبت قبل 88 سنة ،ففي خضم تصاعد التوترات على المستوى الجيو - سياسي الدولي والفوضى التي تجتاح الاتحاد الأوروبي، يمكن للمرء الاعتقاد أن إشارة تروتسكي إلى " الحروب الإمبريالية " وإلى " وهم اتحاد الدول الأوروبية " قد تم تحريرها اليوم على الشبكة في طبعة صحيفة لوموند أو الفايننشال تايمز . إن صحة ملاحظة تروتسكي ، وتطابقها المستمر مع الواقع، تؤكد أن المشاكل التاريخية التي انخرط فيها العالم في العقود الأولى من القرن العشرين ما زالت دون حلول في العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين

السبب السابع : إن الثورة الروسية تتطلب دراسة جدية بوصفها مرحلة حرجة في تطور الفكر الاجتماعي العلمي . إن الإنجاز الذي حققه البلاشفة عام 1917 يبرهن على العلاقة الجوهرية بين المادية العلمية والممارسة الثورية ويثبت صحتها .

إن تطور الحزب البلشفي أثبتت صحة ما قاله لينين في كتاب ما العمل؟ بدون نظرية ثورية لا يمكن خلق حركة ثورية ". [3] وكما ثابر لينين على التأكيد فإن الماركسية هي أرقى أشكال تطور الفلسفة المادية التي استوعبت الإنجازات المبدعة للفكر المثالي الألماني وأعادت صياغته بشكل نقدي ، وبشكل خاص كتابات هيجل ( أي المنطق الديالكتيكي والإقرار بالدور الفعال للممارسات الاجتماعية التي تطورت عبر التاريخ في إدراك الواقع الموضوعي ).

إن دفاع لينين ، الدؤوب، عن الفلسفة المادية وعن المفهوم المادي للتاريخ مسجل في كتب منشورة تغطي فترة تقارب الثلاثين سنة ( من 1895 وحتى 1922) ، وهي تعبر عن قناعته العميقة بأن " المهمة الأسمى للبشرية تكمن في فهم هذا المنطق الموضوعي للتطور الاقتصادي ( تطور الحياة الاجتماعية ) في سماته العامة والأساسية بحيث يصير من الممكن تطوير وعي اجتماعي، واضح ونقدي إلى أكبر قدر ممكن و متلائم معه ، ويشمل هذا وعي الطبقات المتقدمة في كل البلدان الرأسمالية ."[4] إن الاستيلاء على السلطة من قبل الطبقة العاملة عام 1917 كان نقطة تاريخية بارزة ، لم يتم تجاوزها حتى الآن، في مسار تطور وعي النوع البشري ، المعبر عنه من خلال العمل السياسي للطبقة العاملة ، وتطويعه ليتلاءم مع " المنطق الموضوعي للتطور الاقتصادي ".

السبب الثامن : إن تطور البلشفية بوصفها تيار سياسي، والدور الاستثنائي الذي أدته خلال أحداث 1917 الصاخبة ، بررت الدلالة الجوهرية لنضال الماركسيين ضد الانتهازية وضد توأمها السياسي المتمثل بالنزعة الوسطية . إن نضال لينين ضد الانتهازية السياسية للمنشفية في روسيا، ونضاله ضد خيانة الأممية الثانية للنزعة الاشتراكية الأممية في أعقاب اندلاع الحرب الإمبريالية عام 1914 أقام الهوية السياسية للحزب الذي قاد الصراع على السلطة عام 1917 .

فمن خلال تطبيق المفاهيم المادية للتاريخ، سعى لينين لكشف المصالح الاجتماعية والاقتصادية المستترة التي تم التعبير عنها في الصراع بين التيارات السياسية . وعلى هذا الأساس حدد لينين الطابع الانتهازي - وبشكل خاص فيما يتعلق بالأممية الثانية - بوصفها التعبير السياسي للمصالح المادية لشرائح من الطبقة العاملة امتلكت امتيازات وكذلك مصالح شرائح من الطبقة الوسطى تحالفت مع الإمبريالية .

السبب التاسع : زود البلاشفة الطبقة العاملة بمثال عن الحزب الثوري الحقيقي ، وعن الدور الذي لا يمكن استبداله لمثل هذا الحزب في ضمان انتصار الثورة الاشتراكية . إن الدراسة المتأنية للسيرورة الثورية عام 1917 تمحو أي شكوك حول واقع أن وجود الحزب البلشفي ، بقيادة لينين و تروتسكي، كان عاملاً حاسماً في انتصار الثورة الاشتراكية . إن تحرك الطبقة العاملة ، المدعومة بالانتفاضة الثورية للفلاحين ، اكتست أبعاد ضخمة عام 1917. لكن لا يوجد قراءة واقعية لأحداث ذلك العام تسمح باستنتاج أنه كان بإمكان الطبقة العاملة بلوغ السلطة دون قيادة الحزب البلشفي . وقد لخص تروتسكي ، لاحقاً، الدروس الجوهرية لتلك التجربة وركز على : " إن دور ومسؤولية قيادة – الطبقة العاملة - تكتسي أهمية بالغة في الحقبة الثورية "[5] ، إن هذا الاستنتاج يظل صالحاً في الوضع التاريخي الحالي بقدر ما كان عليه الوضع عام 1917.

السبب العاشر : إن اهمية مسار الأحداث بين فبراير / مارس و أكتوبر / نوفمبر 1917 لا تقتصر على الجانب التاريخي . إن تجربة تلك الشهور الهامة تقدم رؤية دائمة لا تقدر بثمن حول المشاكل الاستراتيجية والتكتيكية التي ستواجه الطبقة العاملة خلال التصاعد الحتمي للنضال الثوري . وكما كتب تروتسكي عام 1924 :" فيما يتعلق بقوانين وطرق الثورة البروليتارية لم يتوفر حتى الآن مصدر أهم وأعمق من ثورتنا في أكتوبر . "[6]

إن جرائم الستالينية – التي تمثل ردة فعل بيروقراطية رجعية ومنافية للماركسية ضد برنامج و مبادئ البلشفية - لا يمكن أن تبخس قيمة ثورة أكتوبر وإنجازاتها الحقيقية، بما في ذلك ما أنجزته الدولة السوفيتية خلال 74 عام من وجودها .

وفي هذه المرحلة الجديدة من الأزمة العالمية في النظام الرأسمالي فإن إعادة دراسة الثورة الروسية واستيعاب دروسها تمثل الشرط المسبق والحتمي لإيجاد طريق للخروج من المأزق الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الحالي .

كارثة الحرب العالمية الأولى

هذه هي المحاضرة الأولى من مجموعة من خمسة محاضرات ، وآملي أنه خلال الشهرين القادمين أن تتوسع هذه المحاضرات وستبرهن على صحة الأسباب التي دفعتني للقيام بدراسة متأنية للثورة الروسية .

فقبل مائة عام ، وبالتحديد في الثامن من آذار 1917 شهدت مدينة بتروغراد ، عاصمة روسيا القيصرية، تجمعات و تظاهرات للاحتفال باليوم العالمي للمرأة . وكانت روسيا متمسكة بتقويم جوليان المتأخر ثلاثة عشر يوم عن التقويم الغريغوري المستخدم تقريبا في كل مكان آخر . فإن تاريخ هذا الحدث الذي شهدته بتروغراد وافق الثالث والعشرين من شباط 1917 ( وسأقوم فيما تبقى من هذه المحاضرة باستخدام التقويم المعتمد وقتها عند الإشارة إلى الأحداث التي انتشرت في روسيا ).

في وقت انطلاق هذه الاحتجاجات كانت القوى الأوروبية الكبرى – ألمانيا و الإمبراطورية النمساوية المجرية من جهة وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى - منخرطة في حرب اندلعت قبل سنتين وسبعة أشهر .

وخلال الفترة الممتدة بين شهر آب / أغسطس 1914 وآذار / مارس 1917 قامت حكومات الدول المتحاربة – بغض النظر عن طبيعة حكوماتها ملكية كانت أم برلمانية - بهدر الحياة البشرية بلامبالاة إجرامية . وخلال سنة 1916 تشبعت ميادين القتال في أوروبا بالدماء . فخلال معركة فردان ، التي امتدت 303 يوم من 21 شباط / فبراير وحتى 18 كانون أول / ديسمبر 1916 سقط فيها ما يقارب 715 ألف ضحية فرنسية وألمانية، وهذا يساوي 70 ألف إصابة في الشهر . وبلغ عدد القتلى من العسكريين في فردان 300 ألف .

وتزامن ذلك مع معركة اخرى مروعة في فرنسا بجوار نهر السوم . فخلال اليوم الأول من المعركة في الأول من تموز / يوليو 1917 عانت القوات البريطانية من 57 ألف إصابة . ومع نهاية المعركة في الثامن عشر من تشرين الثاني 1916 تجاوز عدد القتلى والجرحى من بريطانيين وفرنسيين وألمان عتبة المليون عسكري .

أما على الجبهة الشرقية فتحشدت القوات الروسية في مواجهة قوات ألمانيا والنمسا - المجر . وفي حزيران / يونيو 1916 شنت الحكومة القيصرية هجوم بقيادة الجنرال بروسيلوف . ومع نهاية الهجوم في شهر أيلول / سبتمر تراوحت خسائر الجيش الروسي بين خمسمائة ألف المليون إصابة .

واظب العديد من المؤخرين ، خلال القرن المنصرم، على إدانة عنف الثورة الروسية ومزاعم لا إنسانية البلاشفة ، لكن الوعاظ الأكاديميين تجاهلوا واقع ، هذا إن لم يغفلوا عنه، أنه قبل سقوط أول ضحايا الثورة كان مليون وثلاثة أرباع مليون جندي روسي قد قتلوا في الحرب التي شنته الاستبدادية القيصرية عام 1914 بدعم حماسي من قبل البورجوازية الروسية .

لم يتنبأ أحد بأن الاحتجاجات التي تم التخطيط لإطلاقها في الثالث والعشرين من شباط ستكون بداية الثورة . لكن ثمة من تنبأ بأن تقود الحرب إلى اندلاع ثورة . ففي عام 1915 كتب تروتسكي :" إن الطبقة العاملة التي مرت بمدرسة الحرب قد تشعر بالحاجة إلى استخدام لغة القوة فور بروز أول عقبات جدية داخل بلادها ". وكان لينين بنى سياسة البلاشفة المناهضة للحرب على أساس القناعة بأن التناقضات الإمبريالية بوصفها نظام عالمي ، التي قادت إلى الحرب يمكن أن تقود أيضاً إلى ثورة اشتراكية .

ففي محاضرة قدمت في مدينة زيوريخ في الثاني والعشرين من كانون الثاني 1917- بمناسبة الذكرى السنوية الثانية عشر لمجزرة سان بطرسبرغ المعروفة بيوم الأحد الدامي الذي أطلق شرارة ثورة 1905- نصح لينين جمهوره الصغير قائلاً :" يجب ألا يحبطنا الهدوء الظاهري في أوروبا . أوروبا حبلى بالثورة . إن فظائع الحرب الإمبريالية الهائلة ، والمعاناة الناجمة عن ارتفاع تكاليف الحياة في كل مكان ستولد مزاجاً ثورياً؛ والطبقات الحاكمة والبورجوازية وأتباعها ، ومعها الحكومات تنزلق باستمرار إلى درب مسدود لن تنجح أبداً في الخلاص منه دون اضطرابات هائلة ."[7]

والآن ، وكما هو الحال غالباً عند مشارف الأحداث التاريخية العظمى، نقول أن المتظاهرين مغفلي الأسماء الذين تجمعوا في الثالث والعشرين من فبراير لم يتوقعوا نتائج أفعالهم . كيف كان لهم أن يتصوروا أنهم في صبيحة ذلك الخميس كانوا قريبين من تغيير مسار التاريخ؟

في تلك المرحلة من الحرب ، كانت الأزمة الاجتماعية في روسيا حادة لدرجة أن إضرابات الطبقة العاملة وغيرها من أشكال الاحتجاجات لم تكن غير عادية . اهتزت مدينة بتروغراد في التاسع من يناير نتيجة إضراب جماهيري شارك فيه 140 ألف عامل من أكثر من مائة مصنع . وفي الرابع عشر من شباط حدث إضراب ضخم آخر شارك فيه 84 ألف عامل . لكن حتى ذلك الوقت لم يكن من الواضح أن التوتر سيفضي سريعاُ إلى اندلاع ثورة شاملة .

قام نيكولاس سوخانوف ، وهو من يسار حزب المناشفة بكتابة مذكرات بالغة القيمة لأحداث 1917 ، سرد فيها حوار حول الاضطرابات المتنامية دار بين شابتين من عاملات الطباعة في مقر عمله في الحادي والعشرين من فبراير حيث قالت واحدة للأخرى :" هل تعرفين ، إن طرحت علي السؤال فسأقول لك إنها بداية الثورة ". وفكر سوخانوف في قرارة نفسه ما لذي تعرفه هاتين الشابتين السخيفتين عن الثورة . " ثورة - أمر مستبعد بشدة ! ثورة !- الجميع يعرف أنها لا تعدو أن تكون حلماً - حلم العديد من الأجيال وتتطلب عقود من الجهد الطويل، ودون أن أصدق ما قالت الفتاتان، كررت الكلمات بعدهما ميكانيكيا : " اجل إنها بداية الثورة ."[8]

بداية ثورة شباط

وكما تبين لاحقاً فإن تلك المرأة التي لم تدرس السياسة امتلكت إحساس ُ أفضل بالواقع من ذلك المنشفي المخضرم الغارق في التشاؤم . ففي الثاني والعشرين من فبراير قامت إدارة مؤسسة بوتيلوف الضخمة بطرد ثلاثين ألف عامل . وفي اليوم التالي وفي مدينة سادت فيها توترات طبقية ، وفي خضم تداعيات الحرب الرهيبة بدأ الاحتجاجات في الاحتفال بيوم المرأة العالمي .

لم تجر تلك الاحتجاجات باسم التسعة وتسعين بالمائة من سكان روسيا كما تدعي اليوم تيارات اليسار الزائف العديدة المرتبطة بالطبقة الوسطى ، بحيث تخلط ، في إطار مزيج اجتماعي ضخم ، بين المعدمين وبين أصحاب ثروات تبلغ قيمتها الملايين .

كان متظاهرو فبراير 1917 من الطبقة العاملة في بتروغراد العاصمة الإمبراطورية وكان يمثلون مصالحها . ولم تكن اهتماماتهم السياسية مركزة على نمط الحياة الفردي بل على الطبقة الاجتماعية .. صاحوا " لتسقط الحرب ! ليسقط ارتفاع تكلفة المعيشة ! ليسقط الجوع ! الخبز للعمال ! [9] سارت النساء إلى المشاغل وطلبن دعم العمال . ومع نهاية اليوم وصل عدد العمال المضربين إلى مئة ألف .

ومع توسع الاحتجاجات خلال الأيام التالية ، تبين تدريجياً أن مصير النظام كان على المحك . لم يعد تصاعد عنف الشرطة قادر على ردع المتظاهرين . ولاحظت الطبقة العاملة أن الجنود الذين كلفوا بإعادة النظام أبدوا تعاطفاً متنامياً مع المحتجين وترددوا في تنفيذ أوامر قادتهم . وفي اليوم الرابع قررت الطبقة العاملة تنفيذ مهمة قلب النظام . وكان الصمود الرائع هو الرد على العنف الإجرامي للشرطة التي استخدمت البنادق الأوتوماتيكية ضد المتظاهرين وأصابت المئات .

كان مصير الصراع مرتبط بموقف الوحدات المتمركزة في بتروغراد . وقام المؤرخون المعاصرون بتأكيد صحة الوصف الذي قدمه تروتسكي لتصاعد روح الإخاء المتبادل بين العمال والجنود . وكتب البروفيسور ريكس ويد في روايته عن ثورة شباط :

لم يكن جنود 1917 مماثلين للعسكر الذين قمعوا ثورة 1905. كان معظمهم من المجندين الجدد ، ولم يكن معتادين على الانضباط العسكري الكامل . وكان الكثير منهم من منطقة بتروغراد ... وخلال الفترة ما بين 23-26 شباط ، عقدت الكثير من الحوارات بين الجنود والجماهير التي ذكرتهم بالمصالح المشتركة التي تجمعهم ، وبالظلم العام وبمعاناة الشعب ( بما في ذلك عائلات الجنود ) وبالرغبة المشتركة في إنهاء الحرب . وكانت تجربة إطلاق النار على الحشود تربك الجنود بشكل جدي . وانتقلت المناقشات الحادة حول الأحداث إلى داخل العديد من الوحدات . [10]

وأدت سيرورة التآخي إلى تراخي الانضباط العسكري، و نقتبس هنا السرد الرائع الذي ورد في الفيلم الوثائقي من القيصر إلى لينين على لسان ماكس إستمان :

" للمرة الأولى في التاريخ تخلى جنود القيصر عنه، وبدلاً من استخدام رشاشاتهم لإعادة النظام ، قاموا بتعزيز الفوضى من خلال التحاقهم بالشعب في الشوارع ".

" العفوية، " الماركسية والوعي الطبقي

في التقارير التي كتبت لاحقاً عن الثورة قام بعض كتاب المذكرات ، والصحفيين ، والمؤرخين بإبراز التعارض بين انتفاضة فبراير الجماهيرية وبين تمرد أكتوبر تحت قيادة البلاشفة . وفي كثير من الأحيان ، وكان هدف تلك المقارنة التقليل من أهمية القيادة الواعية من خلال الإشارة الضمنية أو التأكيد على أن وجود قيادة سياسية واعية ينتقص من النقاء الأخلاقي الخاص بالفعل الثوري . وتم مماثلة وجود قيادة سياسية واعية مع وجود مؤامرة سياسية ، تعرقل المسار العادي والقانوني المبرر للأحداث .

إن استخدام كلمة " عفوية " يهدف إلى إثبات الغياب التام للوعي السياسي، وإلى أن الجماهير تصرفت مدفوعة بما يتجاوز بعض الشيء بعض الغرائز الديمقراطية الغامضة . ولكن فيما يتعلق بالوقائع التاريخية ، فإن مفهوم " العفوية " غير الواعية يضفي على ثورة فبراير سمة أسطورية ويشوهها ويزيفها . صحيح أن الطبقة العاملة الروسية وجماهير الجنود الذين انتمي معظمهم إلى أصول فلاحية لم يتوقعوا بوضوح نتائج أفعالهم ؛ كما أن أفعالهم لم تسترشد باستراتيجية ثورية مدروسة ، لكن جماهير العمال امتلكت مستوى كاف من الوعي الاجتماعي والسياسي ، نتيجة عقود عديدة من التجارب المباشرة وغير المباشرة المتوارثة الأمر الذي أعدهم لتقييم أحداث فبراير، وأوصلهم إلى استنتاجات تمخضت عن قرارات .

كانت آراءهم متأثرة بعمق بثقافة تطورت في مواجهة القمع الرهيب، الذي خلف ندبات نتيجة المآسي الاجتماعية والشخصية، مستلهمين المثل الرائعة للتضحية البطولية بالنفس .

وفي عام 1920 ، قام لينين بمراجعة جذور البلشفية، واشاد بالنضال الطويل الذي طور ثقافة سياسية اشتراكية وحركة عميقة التجذر في الطبقة العاملة قادرة على التأثير على جماهير واسعة من الشعب .

“ فعلى مدى قرابة نصف قرن - تقريباً ما بين العقدين الرابع والتاسع من القرن الماضي - سعى الفكر التقدمي في روسيا، المقموع من قبل القيصرية الأشد فظاظة ورجعية ، بعزم لصياغة نظرية ثورية صحيحة ، وكان يتابع بأكبر قدر من الاجتهاد والدقة كل " المستجدات " في هذا المجال في كل من أوروبا وامريكا . أنجزت روسيا الماركسية - النظرية الثورية الصحيحة الوحيدة - في خضم ظروف صعبة عانت منها طوال نصف قرن من العذاب والتضحيات الفريدة، وبفضل بطولة ثورية لا مثيل لها ، وطاقة مذهلة ، وبفضل البحث المضني ، والدراسة، والفرز العملي، والخيبات، و التحقق، والمقارنة مع التجربة الأوروبية . وبفضل الهجرة بدوافع سياسية التي تسببت بها القيصرية، فإن روسيا الثورية تمكنت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر من تحقيق ثروة من الروابط الدولية ومعلومات ممتازة عن أشكال ونظريات الحركة الثورية بما يتجاوز ما امتلكته البلدان الأخرى .” [11]

وخلال الخمسة وثلاثين سنة التي سبقت ثورة فبراير، تطورت حركة الطبقة العاملة في روسيا بتماس مستمر وتفاعل مع المنظمات الاشتراكية . إن هذه المنظمات - بمنشوراتها وصحفها ، ومحاضراتها، ومدارسها، ونشاطاتها المشروعة وغير المشروعة - لعبت دوراً هاماً في حياة الطبقة العاملة على المستويات الاجتماعية والثقافية والفكرية .

إنه لمن المستحيل استبعاد الوجود الاشتراكي والماركسي واسع النطاق من حياة وتجربة الطبقة العاملة الروسية منذ بداية تطورها في بدايات العقد الثامن من القرن الثامن عشر، مروراً بثورة 1905 ، وحتى اندلاع ثورة فبراير . إن العمل الريادي الذي قام به بليخانوف ،و أكسيلرود و بوتريزوف لم يذهب سدى . على مدى عدة عقود ،حول التجربة الاجتماعية للطبقة العاملة وحول النظرية الماركسية، تجسد في الجهد المستمر لكوادر الحركة الثورية، التي شكلت وعززت المستوى الفكري والسياسي لما سمي " بعفوية " وعي الجماهير في فبراير 1917.

وهناك أبحاث تاريخية جدية أثبتت الدور المباشر والهام الذي لعبه العمال من أصحاب الوعي الطبقي العالي في تنظيم وقيادة حركة فبراير وقادت إلى الإطاحة بالحكم الاستبدادي . وكان رد تروتسكي حول سؤال " من قاد ثورة فبراير؟ " صحيح بشكل كامل :

" عمال , واعون صلبون تربى معظمهم في حزب لينين ." [12] لكن تروتسكي أردف بسرعة : " إن هذه القيادة أثبتت فعاليتها في ضمان انتصار الانتفاضة، لكنها لم تكن مستعدة لنقل ، قيادة الثورة ،مباشرة، إلى يد طليعة البروليتاريا ."[13]

ظهور ازدواجية السلطة

في عصر يوم الأثنين 27 فبراير سقط نظام سلالة رومانوف التي حكمت روسيا منذ عام 1613 تحت ضغط الحركة الجماهيرية للعمال والجنود . ومع اندثار النظام القديم برزت على الفور قضية سياسية تتعلق بمن سيحل محل السلالة المستبدة . اجتمع ممثلو البورجوازية الروسية، المضطربون و المرعوبون في قصر تاوريد . وأقاموا لجنة مؤقتة للدوما ، التي قامت لاحقاً بتشكيل الحكومة المؤقتة . كان الشغل الشاغل للبورجوازية ، الهلعة من حركة الجماهير، ضبط الثورة بأسرع وقت ممكن ، بهدف الحد قدر المستطاع من أي ضرر يطال المصالح المادية للأثرياء وأصحاب الملكيات الخاصة، وبهدف استمرار انخراط روسيا في الحرب الإمبريالية .

وفي الوقت ذاته ، وفي المبنى ذاته، اجتمع ممثلو الشعب المنتخبون من خلال ممثلي مجلس سوفييت العمال والجنود بهدف طرح مصالح الجماهير الثورية والدفاع عنها . ومن خلال تشكيل أداة سلطة العمال الكامنة والحقيقية ، استندت الطبقة العاملة على تجربة ثورة عام 1905. لكن في حين أن مجلس سوفييت سان بطرسبرغ عام 1905- تحت قيادة ليون تروتسكي – لم يظهر إلا في الأسابيع الأخيرة لحركة جماهير الطبقة العاملة ، فإن مجلس سوفييت بتروغراد ظهر في الأسبوع الأول لثورة 1917.

إن الانقسام الطبقي داخل المجتمع الروسي، الذي لم يتم إيجاد حل له من خلال الإطاحة بالاستبداد القيصري، وجد التعبير عنه في نظام ازدواج السلطة . إن وجود سلطتين حكوميتين متنافستين تمثلان قوى طبقية متناحرة إلى حد يتجاوز أي مصالحة كان ، في طبيعته، يفتقد للاستقرار . وكتب تروتسكي شارحاُ المعنى السياسي لهذه الظاهرة الغريبة :" إن هذا الانقسام في السيادة لا يعني إلا اندلاع حرب أهلية ."[14]

وفي خلال الشهور الثمانية اللاحقة ، سار تطور الثورة عبر الصراع بين الحكومة البورجوازية المؤقتة ومندوبي مجالس سوفييتات العمال والجنود . ولو كانت نتيجة الصراع محكومة ببساطة ببعض الحسابات الرياضية لقوة الطرفين المتجابهين ، لما كان من الضروري الانتظار ثمانية أشهر لحل الموضوع .

فمنذ البداية كانت الحكومة البورجوازية عاجزة من حيث الجوهر . كانت سلطتها مستمدة من الدعم السياسي من قبل قادة مجالس السوفييت – المكونة بشكل رئيسي من حزبي المناشفة والاشتراكيين الثوريين ، حيث ركز هؤلاء القادة على أن الثورة الروسية كانت بشكل حصري ديمقراطية بورجوازية السمة، وأن الإطاحة بالرأسمالية عن طريق ثورة اشتراكية لم يكن مدرج في الأجندةـ وبالتالي فإن السوفييتات - ممثلة الطبقة العاملة وجماهير الفلاحين الفقراء - لا يمكن أن تستلم السلطة وتحكم قبضتها عليها .

وخلال الأسابيع الأولى التي تلت ثورة فبراير الظافرة ، كان إذعان اللجنة التنفيذية للسوفييت لا يجد أي مقاومة . حتى الحزب البلشفي – في وقت كان لينين ما يزال خارج روسيا ، وقيادته في يد كل من كامنييف وستالين – دعم موقف اللجنة التنفيذية المساندة للحكومة المؤقتة وبالتالي دعم استمرار مشاركة روسيا في الحرب . واستمر خط التوافق السياسي حتى عودة لينين إلى روسيا في الرابع من شهر نيسان / أبريل .

عودة لينين إلى بتروغراد .

عاد لينين إلى روسيا، وإن وصوله إلى محطة فنلندا في بتروغراد، يندرج ضمن المراحل الأشد درامية في تاريخ العالم . كان وقت اندلاع الثورة في سويسرا في شقة صغيرة في الطابق الثاني في درب شبيغل غاسه، في الحي القديم في مدينة زيوريخ . إن الظروف التي أحاطت بسفر لينين من محطة زيوريخ الرئيسية – محطة قطارات مركزية - وصولاُ إلى بتروغراد بدت لاحقاً كقضية سياسية كبرى في مسار الثورة . ففي ظروف الحرب كانت إمكانية العودة السريعة إلى روسيا من بلاد تفتقر إلى السواحل مثل سويسرا يقتضي السفر عبر ألمانيا . أدرك لينين بشكل كامل ردة الفعل الشوفينية التي ستواجه قراره بالسفر عبر بلد يخوض حرب ضد روسيا، لكن الوقت كان ثمينا ً . ففي غيابه أخذ الحزب البلشفي يقترب من فلك قادة السوفييتات من المناشفة الذين اتبعوا خط التوافق مع الحكومة المؤقتة . فاوض لينين الشروط التي تتيح له السفر عبر ألمانيا، وأصر على " القطار المغلق " ، بحيث يتم استبعاد أي لقاء بينه وبين ممثلي الدولة الألمانية .

فمنذ لحظة تلقي لينين أنباء اندلاع الثورة في روسيا، بادر إلى صياغة سياسة معارضة ثورية للحكومة المؤقتة تقطع الطريق على أي تفاهم . وتمثلت استجابته الأولى للثورة بمجموعة من التعليقات المسجلة عرفت تحت اسم رسائل من بعيد .

كانت السياسات التي طرحها لينين في الأيام الأولى للثورة مستندة إلى تحليله للحرب الإمبريالية، وكانت استمرار لبرنامج مناهضة الحرب الثوري الذي ناضل في سبيله في مؤتمر زيمرفالد في شهر سبتمبر من عام 1915. وقتها أصر لينين على أن الحرب الإمبريالية ستقود إلى ثورة اشتراكية وكان شعار " تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية " بمثابة برنامج لتحقيق هذا المنظور . ورأى لينين في الإطاحة بالحكومة القيصرية المستبدة تأكيداُ لتحليلاته . لم تكن الاضطرابات في روسيا حدث قومي منعزل ، بل المرحلة الأولى من انتفاضة الطبقة العاملة الأوروبية ضد الحرب الإمبريالية وبالتالي بداية الثورة الاشتراكية العالمية .

إن تحليل لينين لأحداث روسيا ضمن إطار الحرب العالمية وضعه في مواجهة لم تقتصر على المناشفة بل شملت قسم رئيسي من قيادة الحزب في بتروغراد . برر المناشفة مواقفهم بأنه بعد الإطاحة بالحكم الاستبدادي القيصري تغير الطابع السياسي لمشاركة روسيا في الحرب التي تحولت إلى حرب ديمقراطية مشروعة دفاعاُ عن الوطن .

كانت استجابة الحزب البلشفي الأولى ، التي صاغها بعض قادة الصفوف الدنيا في منظمة بتروغراد، إعادة التأكيد على الموقف الحاسم المناهض للحرب الذي ناضل من أجله لينين في زيمرفالد . لكن مع وصول المزيد من كبار القادة من منفاهم السيبيري إلى بتروغراد تغير الخط السياسي للحزب .

ادى وصول كل من كامنييف وستالين إلى بتروغراد في منتصف شهر مارس إلى تغيير دراماتيكي فوري في السياسة . قام كامنييف ، بدعم من ستالين ، بتبني موقف دفاعي برر الاستمرار في الحرب وأعلنا في بيان في الخامس عشر من مارس نشرته جريدة الحزب البرافدا :" عندما يتواجه جيشان، فسيكون السياسات التي تطالب أحد الجيشين بإلقاء السلاح بمثابة سياسة عمياء إلى أقصى حد ... إن الشعب الحر سيتمسك بمواقعه وسيرد على الرصاص بالرصاص . "[15]

أطروحات أبريل

ترك سوخانوف وصف حي لعودة لينين إلى روسيا . نظم الحزب البلشفي ترحيب حماسي لقائده العائد . أقر قادة مجالس السوفييت بأن سنوات لينين في النشاط الثوري منحته مكانة هائلة بين بتروغراد المتقدمين في الوعي، وبالتالي وجدوا أنفسهم مضطرين للانضمام إلى الاحتفال الترحيبي الذي نظمه الحزب . ما أن نزل لينين من القطار حتى استقبلته باقة رائعة من الزهور تناقضت بشكل واضح مع ملابسه التقليدية تماما . بدا عليه سرور واضح لأنه بلغ عاصمة الثورة، وذهب لينين بسرعة إلى قاعة الانتظار في محطة فنلندا . التقى هناك بوفد كئيب من قادة مجالس السوفييت برئاسة رئيس المجلس، المنشفي المولود في جورجيا نيقولاي شخيدزه . تجمدت الابتسامة على وجهه، تضمنت كلمة الترحيب الرسمية التي ألقاها رئيس المجلس المتوتر دعوة للينين لتحاشي ما يضر بوحدة اليسار . وذكر سوخانوف أن لينين بدا غير مهتمً بمتابعة ما قال رئيس مجالس السوفييت كما لو أن الأمر لا يعنيه . حدق لينين في السقف ، وأجال بصره بين الوجوه المألوفة بين الحضور، و أصلح وضعية باقة الزهور التي حملها بين يديه . وبمجرد أن اختتم تشخيدزه تصريحاته القاتمة، بدأ لينين يلقي كلمته الصاعقة :

الرفاق الأعزاء ، أيها الجنود و البحارة والعمال ! أنا سعيد لأني أحي عبركم الثورة الروسية المظفرة، وأرحب بكم بوصفكم طليعة جيش البروليتاريا العالمي ... إن حرب القراصنة الإمبريالية كانت بداية حرب أهلية ستجتاح أوروبا ... و قبل وقت ليس بالبعيد ستقوم الشعوب بتلبية نداء رفيقنا ، كارل ليبكنخت ، و ستوجه أسلحتها ضد المستغلين الرأسماليين ( في كل بلد )... إن الثورة الاشتراكية العالمية قد اندلعت .... ألمانيا تغلي .. ومن الوارد في أي وقت انهيار الرأسمالية الأوروبية بأسرها .. إن الثورة الروسية التي انجزتموها مهدت الطريق أمام عصر جديد مفتوح . لتحيا الثورة الاشتراكية العالمية . [16]

قام سوخانوف بتسجيل الوقع المذهل لكلمات لينين :

كان الموقف مثير للاهتمام للغاية ! فجأة ، وأمام أعين الجميع ، الغارقين في لجة الشجاعة الثورية الروتينية ، برزت منارة مضيئة غريبة تخطف الأبصار بددت كل ما تعايشنا معه . كان صوت لينين النازل على الفور من القطار ، صوت من " عالم آخر ". لقد كشف لنا عن ملاحظة تتعلق بالثورة ، لم تتعلق بأي تناقض ، بل كانت جديدة ، قاسية وصامتة إلى حد ما .[17]

استعاد سوخانوف ردة فعله الشخصية تجاه كلمات لينين وأقر بأنه شعر أن " لينين محق ألف مرة .... عندما اكتشف بداية الثورة الاشتراكية العالمية وحدد العلاقة التي لا يمكن فصمها بين الحرب العالمية وانهيار النظام الإمبريالي ..."[18] لكن سوخانوف ، الذي جسد الازدواجية التي وسمت حتى أكثر العناصر يسارية ضمن المناشفة، رأى استحالة ترجمة منظور لينين ، على الرغم من صحته، إلى فعل ثوري عملي .

انتقل لينين من حفل الاستقبال في محطة فنلندا إلى غذاء سريع مع رفاقه، وبعدها قصد اجتماع ، عرض من خلال تقرير غير رسمي استغرق ساعتين، الخطوط العامة التي ستدخل التاريخ في شكله المتقدم تحت اسم اطروحات أبريل . شرح لينين قائلاُ أنه لا يمكن الدفاع عن الثورة الديمقراطية إلا على أساس ثورة اشتراكية، وطالب برفض الحرب الإمبريالية، وبقلب الحكومة البورجوازية المؤقتة ، ونقل سلطة الدولة إلى مجالس السوفييت .

إن سوخانوف ، الذي دبر أمره لحصول على موافقة على حضور الاجتماع على الرغم من أنه لم يكن عضواُ في الحزب، قدم وصفاً للتقرير :

" لا أظن أن لينين ، الذي بالكاد وصل بالقطار المغلق ، سعى ، من خلال رده ـ لعرض كل عقيدته وبرنامجه وتكتيكاته الخاصة بالثورة العالمية . كان قسم كبير من الخطاب ارتجالياً على الأرجح ، وافتقد وجود خطة محكمة ومدروسة . لكن كل جزء من الخطاب ، وكل عنصر ، وكل فكرة كانت معدة بشكل ممتاز؛ كان واضحاً أن هذه الأفكار شغلت لينين زمناً طويلاً وأنه دافع عنها أكثر من مرة . كان هذا جلياً من خلال ثراء المفردات، وتتابع التعريفات المذهلة ، والفروق الدقيقة في المعنى و توازي الأفكار ( بهدف شرحها ) ، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق إلا نتيجة جهد عقلي جوهري .

بدأ لينين، بطبيعة الحال، بالثورة الاشتراكية العالمية التي كانت جاهزة للانفجار كنتيجة للحرب العالمية . إن الحرب ، التي هي تعبير عن أزمة الإمبريالية، لا يمكن حلها إلا بالاشتراكية . إن الحرب الإمبريالية ... ستتحول حتما إلى حرب أهلية ، كما أنه بالفعل لا يمكن وضع حد لها إلا من خلال حرب أهلية ، ومن خلال ثورة اشتراكية عالمية .[19]

إن برنامج لينين السياسي – الذي أشار إلى انحياز استراتيجيته إلى نظرية تروتسكي حول الثورة الدائمة - لم يستند أساسا إلى تقييم للظروف والفرص التي تم تحديدها على الصعيد الوطني كما كانت موجودة في روسيا .

عودة تروتسكي إلى روسيا

ما أن تمكن لينين من تجاوز المقاومة داخل حزبه ، حتى صار البلاشفة قادرين على تطوير الصراع على النفوذ السياسي في مواجهة المناشفة والاشتراكيين الثوريين . وتعززت جهوده إلى حد كبير مع عودة تروتسكي في شهر أيار / مايو بعد أن . تأخر وصوله إلى بتروغراد بسبب قيام السلطات البريطانية في مدينة هاليفاكس في كندا بإنزاله من على متن السفينة المسافرة من نيويورك إلى روسيا، وزجه في معسكر لأسرى الحرب لمدة شهر . لكن الاحتجاجات في روسيا ضد اعتقال تروتسكي غير القانوني أدت إلى إجبار الحكومة المؤقتة على مطالبة البريطانيين بإطلاق سراحه .

لم تكن الحكومة المؤقتة وقادة مجالس السوفييت سعداء بوصول تروتسكي . ساور البعض أمل في أن يبرهن على القدرة على ممارسة نفوذ يحد من ميل الطبقة العاملة المتزايد نحو الراديكالية . وحول هذه النقطة كتب سوخانوف : " تم تداول إشاعات متضاربة حوله، في حين كان ما يزال خارج الحزب البلشفي، وصلت إلى حد نعته بأنه أسوأ من لينين ."[20]

والآن وبعد حل الخلافات السابقة مع لينين ، دخل تروتسكي إلى الحزب البلشفي، ومنح على الفور موقعاً قيادياً يلي موقع لينين . وتبعه العديد من حلفاء تروتسكي السياسيين الناشطين في مجموعات من حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي ( الميهرايونتسي ) (RSDLP) في بتروغراد، وهم سيلعبون لاحقاً أدوار هامة في ثورة أكتوبر ، وفي الحرب الأهلية وفي الحكومة السوفياتية . وبطبيعة الحال قام ستالين ، لاحقاً، بقتل كل من تبقى من معظم هؤلاء الممثلين البارزين من حزب العمل الاشتراكي الديمقراطي الروسي الذين ظلوا على قيد الحياة حتى العقد الثالث من القرن العشرين .

لم تستطع الحكومة المؤقتة تحقيق أياً من الآمال التي أطلقتها ثورة فبراير . وهي لم ترغب في التضحية بطموحاتها الإمبريالية وباعتمادها على دعم الإمبرياليات البريطانية والفرنسية والأمريكية كما رفضت وضع حد للحرب . وقامت حكومة كرينسكي بتحدي مشاعر الجماهير وشنت هجوماً في شهر يونيو انتهى بكارثة . واستقبل تحريض الحزب البلشفي الذي حث قادة مجالس السوفييت على قطع العلاقة مع الحكومة المؤقتة والاستيلاء على السلطة تأييداً متصاعداً . ومع صعود نجم الحزب البلشفي تصاعدت حدة جهود الحكومة المؤقتة والصحافة الرأسمالية وقادة المناشفة والاشتراكيين الثوريين للتعتيم على اسم لينين وتشويه سمعته .

تم قمع المظاهرات الجماهيرية المناهضة للحكومة فيما عرف تحت اسم " أيام يوليو " ، وتلا ذلك شن حملة مسعورة ضد الحزب البلشفي ، استهدفت لينين بشكل خاص . وتم استغلال واقعة سفر لينين عبر ألمانيا لتغذية حملة افتراء سعت لإعداد الظروف السياسية الضرورية لاغتيال لينين .

الدولة والثورة

أصدرت الحكومة المؤقتة، في السابع من يوليو، قرار بتوقيف لينين . أدرك لينين بوضوح أن المكلفين باعتقاله سيقتلونه حتى قبل وصوله إلى السجن فقرر الاختفاء . وخلال الشهرين اللاحقين ، وخلال غيبته القسرية عن بتروغراد، كتب مؤلفه الدولة والثورة، الذي افتتحه بهذا الشرح :

" تكتسي قضية الدولة الآن أهمية خاصة على الصعيدين النظري والسياسي . إن الحرب الإمبريالية ساهمت إلى حد بعيد في تكثيف سيرورة تحول الرأسمالية الاحتكارية إلى رأسمالية الدولة الاحتكارية ... إن الفظائع غير المسبوقة والبؤس الذي تسببت به الحرب الطويلة جعلت وضع الشعب لا يطاق وشحنت غضبه . إن الثورة البروليتارية العالمية نضجت بشكل واضح ، وبالتالي فإن مسألة علاقتها مع الدولة تكتسي أهمية عملية ."[21]

ى ابهذه الكلمات اللافتة للنظر ، باشر لينين مهمة القيام بما سماه تمريناُ " في التنقيب التاريخي " ، وأعاد تطبيق تعاليم ماركس و أنجلز على طبيعة الدولة بوصفها أداة حكم طبقية، تسعى للمحافظة عللسلطة وعلى هيمنة طبقة على طبقة أخرى . إن وجود الدولة مرتبط ، من حيث الجوهر، بوجود تناقضات طبقية غير قابلة للتصالح . وهاجم لينين العقائديين البورجوازيين و صغار البورجوازيين الذين سعوا " لتصويب ماركس بطريقة توحي بأن الدولة هي أداة مصالحة بين الطبقات ."[22]

اعتبر لينين أن كتاب الدولة والثورة شديد الأهمية، وركز بشكل خاص على ضرورة الاهتمام البالغ بنشره في حال وفاته .

لكن لينين نجا ، ومع حلول شهر سبتمبر بدأ الوضع السياسي يميل بشكل جذري نحو اليسار . أدت مخاطر قيام الجنرال كورنيلوف بتنفيذ انقلاب لمصلحة ثورة مضادة إلى إجبار زعماء مجالس السوفييت على تعبئة الجماهير وتسليحها وتم إطلاق سراح تروتسكي الذي كان في السجن منذ شهر يوليو . وبادر جنود كورنيلوف إلى الفرار والتخلي عنه في مواجهة مقاومة الطبقة العاملة الجماعية، التي لعب البلاشفة الدور الحاسم في تنظيمها، وهكذا فشلت محاولة الانقلاب .

كل السلطة للسوفييت

فقد كيرنسكي - الذي تآمر في السر مع كورنيلوف في الإعداد للانقلاب - مصداقيته السياسية . وفي ظل اختباء لينين، قام الحزب البلشفي برفع شعار " كل السلطة للسوفييت " وكسب بذلك تأييداً جماهيريا جارفاً . وقامت فئات واسعة من الطبقة العاملة بالتخلي عن المناشفة الذين أصروا على رفض القطيعة مع الحكومة المؤقتة وعارضوا نقل سلطة الدولة إلى السوفييت .

وفي شهر سبتمبر ومع احتدام الأزمتين الاقتصادية والسياسية ، وفي ظل انتفاضة فلاحية عامة انتشرت في أرجاء روسيا، دعا لينين اللجنة المركزية للحزب البلشفي للمباشرة في التحضيرات لتنظيم انتفاضة بهدف الاستيلاء على السلطة . وفي العاشر من أكتوبر تسلل لينين إلى بتروغراد وحضر اجتماع اللجنة المركزية التي تبنت قرار يدعم الانتفاضة . ومع ذلك كان هناك داخل الحزب معارضة جدية لمحاولة الإطاحة بالحكومة المؤقتة، بالإضافة إلى الخلاف حول صياغة استراتيجية للتمرد .

من غير الممكن، أن تشمل هذه المحاضرة مراجعة تفصيلية للانتفاضة التي قادها البلاشفة . فالأمر يتطلب التمعن المتأني بالاختلافات ذات الدلالة التي نشبت في قيادة البلاشفة في الأيام التي قادت إلى الاستيلاء على السلطة . إن كتاب تروتسكي ( دروس أكتوبر ) و كذلك كتابه ( تاريخ الثورة الروسية ) يقدمان تلخيص للصراعات داخل الحزب البلشفي، ويشرحان دلالاتها السياسية والتاريخية، ويبقى الكتابان غير مسبوقين في فهمهما للتفاعل بين العناصر الموضوعية والذاتية في السيرورة الثورية .

لكن ثمة قضية حاسمة مرتبطة بثورة أكتوبر يجب أن يتم التطرق إليها وهي الادعاء بأن الإطاحة بالحكومة المؤقتة في ثورة اكتوبر كان انقلاباً تأمرياً، نفذ دون أي دعم جماهيري حقيقي، وهذا طرح تم تكراره وتداوله دون كلل في صيغ لا حد لها من قبل المعارضين السياسيين للبلاشفة ومن قبل مؤرخين رجعيين على مدى قرن كامل، حتى أن كيرنسكي ، ولا أحد غيره، الذي عاش حتى عام 1970 ، أي أكثر من نصف قرن بعد تلك الأحداث لكنه ثابرحتى وفاته عن 89 عام على القول أن حكومته سقطت نتيجة مؤامرة إجرامية مشينة .

لماذا انتصر البلاشفة

فندت العديد من الدراسات العلمية محاولات تشويه صيت ثورة أكتوبر بوصفها انقلاب يفتقر إلى الدعم الشعبي، ومن بين تلك الدراسات أعمال المؤرخ الأمريكي ألكسندر رابينوفيتش التي قدمت الفهم الأكثر شمولا وإثارة للإعجاب . ففي مقدمة كتابه ( البلاشفة في السلطة ) الذي نشر عام 2007 بوصفه المجلد الثالث في دراسته التي استغرقت كل حياته للثورة الروسية كتب البروفيسور رابينوفيتش :

" وصل البلاشفة إلى السلطة " بالتزامن مع مرحلة " التمهيد للثورة " ، وهذا يتحدى الصياغات الغربية الرائجة بان ثورة أكتوبر لم تكن أكثر من انقلاب عسكري نفذته عصابة صغيرة موحدة من الثوريين المهووسين قادها لينين بشكل مبهر . لقد وجدت أنه ، في عام 1917 ، قام الحزب البلشفي في بتروغراد بتحويل نفسه إلى حزب سياسي جماهيري، أكثر من أنه كان حركة أحادية التوجه سارت خلف لينين . كانت قيادة الحزب منقسمة إلى يسار ، ووسط، وجناح يميني معتدل ، ساهم كل جناح في رسم التكتيكات والاستراتيجيات الثورية . كما وجدت أن نجاح الحزب في الصراع على السلطة بعد الإطاحة بالقيصر في فبراير 1917 كان، بطرق بالغة الأهمية، بفضل مرونة تنظيمه، وانفتاحه، واستجابته لتطلعات الجماهير، بقدر ما كان نتيجة للشبكات الواسعة التي نسجها و رعاها بعناية بين عمال المصانع وبين جنود ثكنات بتروغراد، وبين صفوف بحارة أسطول البلطيق . وتوصلت إلى استنتاج أن ثورة أكتوبر في بتروغراد لم تكن عملية عسكرية بقدر ما كانت سيرورة تدرجية متجذرة في الثقافة السياسية الشعبية، وخيبة أمل واسعة النطاق مع نتائج ثورة فبراي وفي تلك الظروف ، كانت جاذبية وعود البلاشفة بالسلم الفوري، وبالخبز ، وبمنح الأرض للفلاحين، وبالديمقراطية الشعبية من خلال مجالس سوفييت متعددة الأحزاب أقوى من أن تقاوم ."[23]

إن البروفيسور رابينوفيتش ترعرع في عائلة كانت وثيقة العلاقات الشخصية بقادة المناشفة . وكان على صلة شخصية بقائد الكتلة المنشفية في مجلس سوفييت بتروغراد، إراكلي تزيريتيلي . وهو سمع الرواية المنشفية للقصة مرات عديدة لكن البحث العلمي قاد البروفيسور رابينوفيتش إلى استنتاجات تتعارض مع التفسيرات التي قدمها المناشفة حول هزيمتهم عام 1917.

الرد الرأسمالي - الإمبريالي على ثورة أكتوبر

في الفترة المباشرة التي تلت ثورة أكتوبر، لم تفهم البورجوازية الروسية ولا البورجوازية الدولية بوضوح الأبعاد السياسية لأحداث بتروغراد . تعاملت النخب الحاكمة كما لو أن انتصار البلاشفة كان كابوس ستستيقظ منه سريعاً . وفي التاسع من نوفمبر ( وفق تقويم واشنطن ) ، أي بعد أقل من 48 ساعة على الإطاحة بالحكومة المؤقتة، كتبت صحيفة نيويورك تايمز " إن واشنطن وموظفي السفارة يأملون أن يكون حكم البلاشفة قصيراً ". ومراسل الصحيفة يطمئن قراءه في التقرير :

يسود اعتقاد هنا بأن الوضع في روسيا ليس بالقتامة التي تصفها الأخبار القادمة من بتروغراد . إن موظفي الخارجية وكذلك موظفي السفارة الروسية متفقون في الرأي على أن سيطرة اللجنة العسكرية الثورية البلشفية على حكومة بتروغراد لا يمكن أن تطول .... وصرح اليوم أحد كبار الموظفين بأنه يرى أن النتيجة ربما كانت ذات أثر جيد أكثر مما هو متوقع لأنها تفسح المجال لبروز شخص قوي يسيطر على الوضع .

لكن الرجل القوي الذي أملت بقدومه حكومة الرئيس وودرو ويلسون لم يبرز، وخلال أسبوع واحد تحولت الثقة المتفائلة بالسقوط السريع للثورة إلى غضب . ففي مقال افتتاحي نشر في السادس عشر من تشرين الثاني تحت عنوان " البلشفي " هاجمت صحيفة التايمز كرنيسكي متهمة إياه بالمراوغة والتخاذل في وجه الثوريين، والتراجع عن دعم انقلاب كورنيلوف . وتابع المقال بنبرة تفوح منها الكراهية :

والآن وبما أن كيرنيسكي سقط ، من الوارد بروز شخص آخر يمتلك القوة الكافية لانتزاع الحكومة من يد البلاشفة المدمرين . في واقع الأمر هم عاجزون عن الاحتفاظ بالحكومة بشكل دائم ، لأنهم جهلاء إلى حد يثير الشفقة ، سطحيين، أطفال في مجال السياسة ، يفتقرون إلى الحد الأدنى من فهم القوى الهائلة التي يلعبون معها، رجال لا يمتلكون مؤهل واحد للبروز سوى موهبة الحديث ؛وفي حال تم تركهم وشأنهم الزمن الكافي فإن عدم كفاءتهم كاف في حد ذاته لتدميرهم . وربما سيتم استبدالهم بمن لا يقلون عنهم سوء . هكذا كان حال الثورة الفرنسية، عندما تتالت الحكومات التي ضمت رجال طلقاء اللسان لكن عديمي الكفاءة وجهلة ،كل واحد أسوأ من الآخر، إلى أن قاد الجهل وانعدام الكفاءة إلى تدمير الجميع .

ما الذي قام به البلاشفة حلال الساعات والأيام التي تلت الإطاحة بالحكومة المؤقتة وتسبب في تأجيج غضب صحيفة نيويورك تايمز وغضب قوى الإمبريالية العالمية التي تنطق بلسانها؟ أولاً أصدر البلاشفة مرسوم حول السلام دعا الأطراف المتحاربة إلى التفاوض لإنهاء الحرب بدون إلحاق أراضي أو دفع تعويضات . ثانياً أصدرت الحكومة السوفيتية الجديدة مرسوم حول الأرض وأعلنت " أن الملكية الخاصة للأراضي يجب أن تلغى إلى الأبد؛ وأنه تم حظر شراء ، وبيع ، وتأجير ورهن الأرض أو نقل ملكيتها بأي شكل آخر ."[24]

مكانة ثورة أكتوبر في تاريخ العالم

هكذا بدأت أكبر ثورة اجتماعية في تاريخ العالم . كان هناك ثورات أخرى مثل الثورة الإنكليزية 1640-49 ، والثورة الأمريكية 1776-83 ، والثورة الفرنسية 1789-94 ، والثورة الأمريكية الثانية 1861-65. لكن أياً منها لم ينجز - وحتى لم يقترب من إنجاز - المثل التي أعلن عنها دون أن يعني هذا التقليل من أهميتها بوصفها معالم في مسار التطور التاريخي للنوع البشري .

لا يوجد ما هو أسوأ من محاولات مفكري ما بعد عصر الحداثة التقليل من شأن تضحيات الأجيال السابقة في سبيل بناء عالم أفضل . إن الاشتراكيين الماركسيين لا يشعرون بأي تعاطف مع مثل هذه المناورات المثيرة للسخرية للبورجوازية الصغيرة وهم يعترفون بالحدود التاريخية لجهود الثوريين في المراحل التاريخية السابقة، و نخصهم بالتقدير الذي يستحقونه .

إن الثورة الروسية، بوصفها حدث تاريخي تمثل أسمى محاولات البشرية لتحديد أسباب الظلم ومعاناة البشر ووضع حد لهما، وحتى الآن لم يتحقق شيء يتجاوز ذلك الحدث . لقد أنجزت ثورة أكتوبر توفيق فريد بين الوعي البشري والضرورة الموضوعية . ولم يقتصر التعبير عن هذا على قرارات وأفعال قادتها السياسيين . إن النظر إلى ثورة أكتوبر من منظور أفعال قادتها فقط، حتى أعظمهم، يعني التقليل من دلالة الثورة، ففي الثورة الجماهير هي التي تصنع التاريخ .

فمن خلال إسقاط الحكومة المؤقتة، تحركت الطبقة العاملة مدفوعة بوعي عميق لقوانين التطور الاجتماعي - الاقتصادي . كتب تروتسكي تكون " الأفكار علمية " إذا تطابقت مع سيرورة موضوعية وجعلت من الممكن التأثير على تلك السيرورة وقيادتها ."[25]

وبهذا المعنى الجوهري، فإن أفكار وأفعال ملايين الناس ارتفعت إلى مستوى العلم . لقد سيطرت النظرية العلمية على الجماهير وتحولت إلى قوة مادية . إن الطبقة العاملة شرعت بالقضاء على نظام العلاقات الاقتصادية - الاجتماعية القديم، وأنهت فوضى السوق الرأسمالية ، وأدخلت التخطيط الواعي في تنظيم الحياة الاقتصادية . وفي العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، في وقت كان ما يزال هناك مثقفين أمريكيين ملتزمين بالمبادئ الديمقراطية وقادرين على تبني موقف نقدي تجاه المجتمع الرأسمالي، كان هناك اعتراف واسع بالدلالة التاريخية لما سمي وقتها " تجربة السوفييت ".

ففي عام 1931 كتب العالم الأمريكي الليبرالي جون ديوي مراجعة للعديد من الكتب حول الاتحاد السوفييتي لمصلحة دار النشر نيو ريبوبليك . وأشار ديوي أن

" روسيا تمثل تحد لأمريكا، ليس بسبب هذه السمة أو تلك من سماتها، بل لأننا لا نمتلك آلية اجتماعية تسمح بالتحكم بالآلية التقنية التي رهنا بها ثرواتنا”، وعبر عن التعاطف مع الطرح الماركسي القائل " بإمكانية التحكم بالظواهر الاجتماعية بحيث يتم إخضاع تطور المجتمع البشري لإرادة الإنسان ". كما عبر ديوي عن تعاطفه مع النقد التالي للرأسمالية الذي كتبه أحد أشهر الليبراليين في تلك الأيام جورج . س . كاونتس في " التحدي السوفياتي لأمريكا " :

إن المجتمع الصناعي بشكله الحالي مسخ لا يمتلك روح ولا شعور داخلي . نجح في تدمير ثقافات الماضي البسيطة، لكنه فشل في إنتاج ثقافة خاصة تستحق هذه التسمية ... ومن أهم الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم هل حالة الفوضى الأخلاقية هي نتيجة عدم توافق مؤقت مع مرحلة انتقالية أم أنها النتيجة الحتمية لمجتمع قائم على الربح الفردي ."[26]

إن مصير الثورة الروسية من ثورة اكتوبر 1917 وحتى تفكيك الاتحاد السوفييتي - يمثل أهم التجارب التاريخية في القرن العشرين واكثرها تعقيداً . لكن المشاكل التي واجهتها الثورة ما تزال قائمة بل ازدادت حدة أكثر من اي وقت مضى . فبعد مائة عام على الثورة الروسية 1917 ، تتجه الرأسمالية بسرعة متصاعدة نحو الكارثة . إن أزمة المجتمع الرأسمالي ليست بالبسيطة ، بالقدر الذي عبر عنه البروفسور كاونتس عندما كتب أنها " عدم توافق مؤقت مع مرحلة انتقالية ". إن وجود هذا الشكل من التنظيم الاقتصادي الذي تجاوزه التاريخ - القائم على الملكية الخاصة للقوة البشرية المنتجة وللموارد الطبيعية ، والاستغلال الفظ لجماهير البشر لمصلحة الشركات والثروات الخاصة - لا يقتصر على أن يكون العائق الرئيسي في وجه تقدم البشر، بل أن وجود هذا النظام يتعارض بشكل تصاعدي وسريع مع استمرار الحياة البشرية .

لا يمكن ، في ظل النموذج الرأسمالي حل أبسط المشاكل الاجتماعية . بل أن منطق الرأسمالية و نظام الدولة - الأمة، الذي يمثل الأساس الجيو - سياسة للإمبريالية، سيقود بشكل حتمي إلى حرب شاملة، لكنها ستخاض هذه المرة بالأسلحة النووية . ما من شيء قادر على وقف التدهور نحو الكارثة إلا انبعاث النضال الواعي للاشتراكية العالمية . وهذا هو في المقام الأول السبب الذي يجعل من الضروري دراسة الثورة الروسية .

[1] Marx-Engels Collected Works, Volume 39 (New York: 1983), pp. 62-65

[2] The Permanent Revolution (London: 1971), p. 155

[3] Lenin Collected Works Volume 5 (Moscow: 1961), p. 369

[4] Lenin Collected Works Volume 14 (Moscow: 1977), p. 325

[5] “The Class, the Party, and the Leadership,” in The Spanish Revolution 1931-39 (New York: 1973), p. 360

[6] The Lessons of October in The Challenge of the Left Opposition (New York: 1975), p. 227

[7] Lenin, Collected Works Volume 23, p.253

[8] The Russian Revolution 1917 by N.N. Sukhanov, edited, abridged and translated by Joel Carmichael (New York: 1962), Volume 1, p. 5

[9] The Russian Revolution, 1917 by Rex A. Wade (Cambridge: 2000), p. 31

[10] Ibid, p. 39

[11] Lenin Collected Works, Volume 23, pp. 25-26

[12] History of the Russian Revolution (Ann Arbor: MI, 1957), p. 152

[13] Ibid

[14] The History of the Russian Revolution (Ann Arbor: 1961), p. 208.

[15] War Against War by R. Craig Nation (Durham and London: 1989), p. 175.

[16] Sukhanov, Volume 1, p. 273.

[17] Ibid, pp. 273-74.

[18] Ibid p. 274.

[19] Ibid, p. 281.

[20] Sukhanov, Volume II, p. 360.

[21] Lenin Collected Works, Volume 25 (Moscow: 1977), p. 388.

[22] Ibid, p. 392.

[23] The Bolsheviks in Power: The First Year of Soviet Rule in Petrograd, by Alexander Rabinowitch (Bloomington and Indianapolis: 2007), pp. ix-x.

[24] Quoted in The Russian Revolution in 1917, p. 243.

[25] History of the Russian Revolution, p. 151.

[26] Cited in John Dewey, Volume 6: 1931-1932, Essays, Reviews and Miscellany (Carbondale and Edwardsville, 1989), p. 266.