مقمة كتاب الرفيق دافيد نورث

ربع قرن من الحرب: سعي الولايات المتحدة لفرض هيمنتها الشاملة 1990-2016

ديفيد نورث
١١ تموز يوليو ٢٠١٦

" في فترة الأزمات ستعمل نزعة الولايات المتحدة  إلى الهيمنة بشكل أكثر فعالية ، ودون مواربة وبلا رحمة مقارنة بممارساتها أثناء الرخاء"

ليون تروتسكي- 1928

" إن رأسمالية الولايات المتحدة تواجه مشاكل مماثلة لتلك التي دفعت ألمانيا عام 1914 لخوض الحرب. هل العالم موزع؟ يجب إعادة توزيعه . كانت المسألة بالنسبة لألمانيا تتعلق بتنظيم أوروبا. ويجب على الولايات المتحدة "تنظيم" العالم. إن التاريخ يفرض على البشرية مجابهة فورة ثورة بركان الإمبريالية الأمريكية".

ليون تروتسكي , 1934

يتضمن هذا الكتاب تقارير سياسية، ومحاضرات عامة، وتصريحات  حزبية، ومقالات ، وجدالات توثق استجابة اللجنة الدولية للأممية الرابعة في مواجهة ربع قرن من الحرب التي قادتها الولايات المتحدة منذ عام 1990-1991. إن  تحليل الأحداث الواردة في الكتاب ، كتب وقت وقوعها وصمد في وجه الزمن.  إن اللجنة الدولية لا تمتلك كرة سحرية ( تكشف المستقبل)  ولكن يسترشد عملها من خلال فهم ماركسي لتناقضات الإمبريالية الأمريكية  والعالمية. وعدا عن هذا لأن منهج التحليل الماركسي لا يتعامل مع الأحداث بوصفها تتالي لحقب زمنية منفصلة ، بل بوصفها لحظات في إطار سيرورة تاريخية أوسع. إن المقاربة التاريخية للأحداث توفر مرفأ أمان  يقي من الوقوع في فخ  ردود فعل سطحية للتطورات السياسية المستجدة. وهذا المنهج يقر بأن السبب الجوهري لحدث ما يندر أن يظهر لحظة وقوع الحدث.

إن معظم ما يقدم بوصفه تحليلات  التي تنشرها الصحافة البرجوازية لا يعدو أن يكون أكثر من وصف انطباعي لحدث ما يخلط بين الحدث وأسبابه العميقة.  إن هذا النمط من التحليل يشرعن حروب الولايات المتحدة بوصفها استجابة ضرورية  ضد شخص هو بمثابة تجسيد للشيطان ، مثل صدام حسين في العراق ، أو أمير الحرب فرح عيديد في الصومال ، أو سلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا، أو أسامة بن لادن زعيم القاعدة ، أو الملا عمر في أفغانستان ، أو معمر القذافي في ليبيا ومؤخراً بشار الأسد في سوريا و كيم جونغ يون في كوريا، وفلاديمير بوتين في روسيا.  ويتم باستمرار إضافة أسماء جديدة  إلى قائمة  لا تنتهي من  الأهداف تضم الوحوش التي تسعى الولايات المتحدة لتدميرهم.

إن  مادة هذا الكتاب هي بمثابة سجل يتضمن مقاربة مختلفة للغاية وأشد قرباً من الجوهر تتناول بالفحص السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

وفي المقام الأول، وهذه هي النقطة الأكثر أهمية، فإن اللجنة الدولية فسرت انهيار الأنظمة  الستالينية في أوروبا الشرقية 1989- 1990، وتفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991، بوصفهما  تعبير عن أزمة وجودية تتعلق بكل نظام الدولة – الأمة الذي نشأ على  رماد الحرب العالمية الثانية. ويأتي في المقام الثاني واقع أن اللجنة الدولية توقعت أن يؤدي انهيار التوازن، الذي ساد إثر الحرب العالمية الثانية إلى  بعث الروح العسكرية الإمبريالية ، ففي شهر آب – أغسطس- من عام 1990 أي قبل ستة وعشرين عام ، كانت اللجنة قادرة على توقع  التداعيات بعيدة المدى للحرب التي شنتها إدارة بوش ضد العراق:

إنها بداية تقسيم إمبريالي جديد للعالم . إن نهاية حقبة ما بعد الحرب تعني نهاية حقبة ما بعد العصر الاستعماري . وفي واقع الأمر فإن إعلان  البورجوازية " اخفاق  الاشتراكية" هو في واقع الأمر  إعلان  اخفاق  عصر الاستقلال. إن الأزمات العميقة التي تواجهها كل القوى الإمبريالية الكبرى تفرض عليها السعي للسيطرة على الموارد الاستراتيجية، وعلى الأسواق. إن المستعمرات السابقة التي أنجزت شيئاً من الاستقلال السياسي يجب أن يتم إخضاعها مجدداً. إن الهجوم العنيف على العراق كان بمثابة قيام  الإمبريالية  بإعلان نيتها  إعادة الهيمنة غير المشروطة على البلدان المتخلفة التي كانت قائمة قبل الحرب العالمية الثانية.[1]

إن هذا التحليل ،المستند إلى التاريخ، يوفر الإطار الأساسي ليس فقط  لفهم حرب الخليج  1990-1991 وحسب، بل لفهم  كل الحروب التي تم شنها لاحقاً خلال ذلك العقد بالإضافة إلى فهم الحرب ضد الإرهاب التي تلت هجمات الحادي عشر من أيلول( سبتمبر)[2].

في مقال افتتاحي نشرته صحيفة نيويورك تايمز مؤخراً ، تمت الإشارة إلى نقطة علامة وسمت رئاسة أوباما  حيث كتبت الصحيفة  " أنه خاض حروب لفترة أطول من تلك التي خاضها  السيد بوش أو أي رئيس أمريكي آخر" .  وأردفت الصحيفة بقولها أنه من المرجح أن يسعى  أوباما في الشهور القليلة الباقية ، تسجيل  رقم قياسي آخر ، وكتبت الصحيفة:

إذا واظبت الولايات المتحدة على خوض المعارك في أفغانستان والعراق وسوريا حتى نهاية فترة ولاية السيد أوباما- وهذا امر شبه مؤكد بالاستناد إلى تصريح الرئيس عن عزمه إرسال 250 جندي من القوات الخاصة إلى سوريا- وبالتالي فإنه سيسجل سابقة تاريخية بوصفه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي حكم  فترتين رئاسيتين والأمة في حالة حرب .

وخلال مساره لتحقيق هذا الرقم القياسي ، أمر الرئيس بتنفيذ عمليات قتالية ضد سبع دول هي العراق، أفغانستان، سوريا، ليبيا، باكستان ، الصومال ، واليمن .  وعدد تلك البلدان يتزايد  نتيجة لتصعيد العمليات العسكرية في أفريقيا حيث أن مكافحة  تمرد بوكو حرام يقتضي نشر قوات الولايات المتحدة في كل من نيجيريا والكاميرون والنيجر وتشاد.

وأشار مارك لاندلر، كاتب مقال النيويورك تايمز، دون أي حس بالسخرية ، إلى واقع أن أوباما فاز عام 2009 ، بجائزة نوبل للسلام ، وهو قدم وصفاً للرئيس  تضمن الإشارة إلى سعي الرئيس لتنفيذ وعوده كمرشح مناهض للحرب. لكن تمت إعاقته  جوبه ، في الواقع، لقد كافح أوباما مع هذا الواقع غير قابل للتغيير )من الحرب( منذ عامه الأول في البيت الأبيض.

كما أعلم  لاندلر قراءه بأن أوباما تنزه بين شواهد القبور في المقبرة الوطنية في أرلينغتون ، قبل أن يصدر أمر بإرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان.   ويذكر فقرة من خطاب  أوباما عام 2009 بمناسبة قبوله جائزة نوبل ،التي انتقد فيها الرئيس بشيء من الضجر حاجة الإنسانية للوفاق حيث قال "يبدو أن  ثمة حقيقتين لا يمكن التوفيق بينها، حقيقة أن الحرب ضرورية أحياناً،  وحقيقة أن الحرب ، هي بشكل ما ، تعبير عن جنون البشر".

 وخلال سنوات حكم أوباما، وبكل جلاء كانت اليد العليا من نصيب الجنون . لكن البطل الذي تناوله الكاتب كان مقيد اليدين.  وهو وجد "أنه من الصعب للغاية وضع حد لتلك الحروب".

لكن وصف أوباما  الذي تبنته صحيفة نيويورك تايمز افتقد للعنصر الجوهري الذي يميز التراجيديا ،ونقصد تحديد القوى الموضوعية الخارجة عن نطاق سيطرة الرئيس، وهي قوى تمتلك أرجحية تتجاوز مثل الرئيس العليا  وطموحاته الإنسانية. لكن إذا رغب السيد لاندلر باستجداء دموع قراءه شفقة على هذا الرجل محب السلام ، الذي بعد أن تبوأ منصب الرئاسة جعل من عمليات الاغتيال بالطائرات من غير طيار، اختصاصه الشخصي ، الأمر الذي حوله إلى مسخ على المستوى الأخلاقي، فقد كان على مراسل التايمز تحديد الظروف التاريخية التي حددت مصير أوباما "المأساوي".

 لكن هذا يمثل تحد تجاهلته التايمز حيث فشلت في  ربط سجل أوباما في شن الحروب مع كامل للسياسة الخارجية الأمريكية خلال ربع قرن منصرم. وحتى قبل تولي أوباما منصبه عام 2009 ، فإن الولايات المتحدة كانت في حالة حرب مستمرة منذ حرب العراق الأولى 1990-1991.

كانت ذريعة شن حرب الخليج  هي ضم الكويت في شهر آب (اغسطس) من عام 1990. ولكن ردة فعل الولايات المتحدة العنيف تجاه الخلاف بين الرئيس العراقي صدام حسين وأمير الكويت تم تحديده في إطار مجموعة واسعة من الظروف والاعتبارات العالمية. إن الإطار التاريخي  للعملية العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة مرتبط بتفكك وشيك للاتحاد  السوفيتي تحقق بشكل نهائي في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1991. الأمر الذي دفع الرئيس بوش الأول إلى إعلان بداية " نظام عالمي جديد" [3]   .وكان المقصود بتلك الجملة أن الولايات المتحدة صارت مطلقة اليدين في إعادة تشكيل العالم وفق مصالح الطبقة الرأسمالية الأمريكية, دون أن اكتراث بقوة الاتحاد السوفياتي العسكرية الرادعة ولا بمخاطر اندلاع ثورة اشتراكية . إن تفكك الاتحاد السوفياتي ، الذي رأى فيه فرانسيس فوكوياما " نهاية التاريخ" كان بالنسبة لاستراتيجي  الإمبريالية الأمريكية نهاية مرحلة كبح التحرك العسكري.

إن من أبرز سخريات   التاريخ واقع أن بروز الولايات المتحدة ،بوصفها القوة الإمبريالية المهيمنة في خضم كارثة الحرب العالمية الأولى، تصادف مع اندلاع الثورة الروسية عام 1917 التي توجت بإقامة أول دولة عمال اشتراكية في التاريخ تحت قيادة الحزب البلشفي. ففي الثالث من شهر نيسان _أبريل_ 1917 قام الرئيس وودرو ويلسون بإخطار الكونغرس بقرار الحرب ، وزج بالولايات المتحدة في الصراع الإمبريالي الشامل. بعد ذلك بأسبوعين عاد فلاديمير إيليتش لينين إلى روسيا ، التي كانت في حالة مخاض ثوري، وقام بإعادة توجيه الحزب البلشفي ليخوض الصراع  ضد الحكومة البورجوازية المؤقتة.

شدد لينين وحليفه السياسي الرئيسي، ليون تروتسكي، على الربط بين النضال لتحقيق الاشتراكية ومناهضة الحرب وهو أمر ذكره المؤرخ ر.غريغ ناشيون حيث كتب:

بالنسبة للينين، لم يكن هناك أدنى شك في أن الثورة كانت نتيجة لأزمة الإمبريالية  وأن المعضلات التي تفرضها تلك الأزمة لا يمكن أن تحل إلا على مستوى أممي ، وأن النضال لفرض هيمنة البروليتاريا في روسيا ، والنضال ضد الحرب ، والنضال الأممي ضد الإمبريالية  تندمج  لها في إطار معركة واحدة. [4]

في نفس الوقت الذي كانت الولايات المتحدة تسعى إلى ترسيخ  مواقعها بوصفها الحكم في لعبة تحديد مصير العالم،  حتى واجهت التحدي الذي مثلته الثورة البلشفية  التي لم يقتصر تهديدها على سلطة إمبريالية الولايات المتحدة، بل مثلت تهديداً لشرعية النظام الإمبريالي بأكمله على المستويات السياسية والاقتصادية والأخلاقية. وضمن هذا السياق كتب المؤرخ  ملفين ب. ليفللر  أن خطابات وأفعال البلاشفة ولدت الخوف والاشمئزاز وعدم اليقين في واشنطن في واشنطن .[5]

وثمة مؤرخ آخر للسياسة الخارجية الأمريكية حاول شرح الموضوع وكتب:

كان معظم قادة  الولايات المتحدة شديدي الاهتمام بالثورة  البلشفية،  لأنهم لم يكونوا مرتاحين تجاه ما قاله الرئيس  ويلسون حول  وجود مشاعر عامة  تمرد ضد النظام القائم  وحول تنامي مشاعر السخط.، وأن الثورة البلشفية  أصبحت  في عقولهم رمزا  الجميع الثورات التي انبثقت من السخط. وهذا يمثل النقطة الأهم في مأساة سياسة الولايات المتحدة الخارجية.[6]

وفي محاولة يائسة لتدمير الحكومة الثورية قام ويلسون ، عام 1918، بإرسال حملة عسكرية لدعم قوات  الثورة المضادة خلال الحرب الأهلية الشرسة، وانتهى التدخل بفشل ذريع.

ولم تعترف الولايات المتحدة ، على المستوى الديبلوماسي بالاتحاد السوفيتي،  إلا في عام 1933  أخيرا. وساهم  جزئيا في تسهيل التقارب الدبلوماسي واقع أن الحكومة السوفيتية، في ظل ديكتاتورية ستالين البيروقراطية سارت على طريق التخلي عن الروح الأممية التي ألهمت البلاشفة عام 1917.  كما تخلت الحكومة السوفيتية  عن منظور الثورة العالمية لصالح بناء تحالف مع دول إمبريالية على قاعدة " الأمن المشترك" . ونظراً لعجز ستالين عن  التوصل إلى مثل هذا التحالف مع بريطانيا  وفرنسا ، فقد  قام  ، في شهر آب –أغسطس – من عام 1939 بتوقيع معاهدة عدم الاعتداء سيئة الصيت  مع هتلر. لكن ، وعلى خلفية قيام هتلر بغزو الاتحاد السوفيتي في شهر حزيران- يونيو- 1941 ، ودخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ، متطلبات القتال ضد ألمانيا النازية والإمبراطورية اليابانية  قامت إدارة الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت بعقد تحالف عسكري مع الاتحاد السوفيتي. لكن ما   أن تم إيقاع الهزيمة بألمانيا واليابان حتى بدأت العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بالتدهور السريع. عارضت إدارة الرئيس ترومان توسع نفوذ الاتحاد السوفيتي في شرق أوروبا  ، وتحت وطأة  الذعر من نمو الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية قامت الولايات المتحدة بإطلاق مشروع مارشال عام 1948 ممهدة الطريق لبداية الحرب الباردة.

تابع الكرملين  سياسات  قومية مستندة إلى برنامج ستالين الخاص ببناء الاشتراكية في بلد واحد، وخان بذلك الطبقة العاملة و الحركة المناهضة للحرب على مستوى العالم باسره. لكن مجرد وجود حكومة، قامت إثر ثورة اشتراكيةـ كان أمر ولد تداعيات راديكالية في سائر أرجاء العالم. وكان ويليم أبلمان وليمز محقاً عندما كتب :" أن قادة أمريكا ظلوا طوال سنوات عديدة مرعوبين من التحديات الضمنية وغير المباشرة للثورة أكثر من رعبهم من قوة الاتحاد السوفيتي الحقيقية ".[7]

وفي العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية  لم تعد الولايات المتحدة  قادرة على تجاهل الاتحاد السوفيتي.  ونظراً لأن الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية ، التي قامت عام 1949 ، لم  يقدما سوى  دعماً سياسياً ومادياً محدودين ً إلى الحركات المناهضة للإمبريالية في " العالم الثالث" وبالتالي رفضا إطلاق  يد الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة للاستمرار في متابعة مصالحها الخاصة. ومن أبرز المؤشرات على  كبح الولايات المتحدة  – وسنذكر أبرز الأمثلة على ذلك-  ونقصد بهذا هزيمة الولايات المتحدة في كل من كوريا وفيتنام ، وصفقة الحل الوسط  لأزمة الصواريخ في كوبا، وقبول هيمنة الاتحاد السوفيتي في منطقة البلطيق وفي أوروبا الشرقية.

إن وجود الاتحاد السوفيتي  بالإضافة إلى وجود حكومة مناهضة للرأسمالية في الصين حرما الولايات المتحدة من إمكانية  القيام، دون معوقات،  باستغلال عمل البشر ، والاستحواذ على المواد الأولية ، والسيطرة على الأسواق المحتملة  في جزء كبير من العالم وبشكل خاص في منطقة أوراسيا القارية، وأدى هذا إلى إجبار الولايات المتحدة على عقد صفقات، تتجاوز ما كانت تفضله ، خلال عمليات التفاوض  حول القضايا الاقتصادية والاستراتيجية مع حلفاءها الرئيسيين في أوروبا وفي آسيا ، وكذلك الأمر بالنسبة للمفاوضات مع دول أصغر استغلت الفرص التكتيكية التي وفرتها  الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي .

وجدت الطبقة الأمريكية الحاكمة في تفكك الاتحاد السوفيتي في كانون الأول –ديسمبر- 1991 ، وإعادة  الرأسمالية إلى الصين في أعقاب مجزرة ساحة تيانمين في حزيران- يونيو- 1989 ، فرصة للتنصل من تنازلات  حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية  وللسعي لإعادة هيكل المسرح الجيوسياسي بشكل شامل بهدف فرض هيمنة الولايات المتحدة .

لم يكن هناك عنصر صغير  من خداع الذات في التعامل مع استجابة الولايات المتحدة لانهيار الاتحاد السوفيتي المدوي . إن الادعاءات المنمقة حول  انتصار الولايات المتحدة في الحرب الباردة  كانت أقرب للأسطورة وبعيدة عن الواقع . ففي الحقيقة فإن  تفكك الاتحاد السوفيتي المباغت فاجأ لمؤسسة السياسة الخارجية بأكملها في واشنطن   .ففي شباط – فبراير- من عام 1987 ، نشر مجلس العلاقات الخارجية تقييماً للعلاقات بين الولايات المتحدة و الاتحاد السوفيتي ، أعده اثنان من أهم المتخصصين بشؤون الاتحاد السوفيتي ، ستروبه تالبوت و ميكائيل ماندلباوم.  وتوصل الخبيران ، بالاستناد إلى تحليل المفاوضات بين ريغان و غورباتشوف في  الاجتماعين الذين عقدا في جنيف وفي ريكيافيك إلى ما يلي:

 بغض النظر عن تفسير غورباتشوف  للبريستروكيا على المستوى العملي ، وبغض النظر عن الأسلوب  الذي اتبعه لتحديد المفهوم الرسمي للأمن ، فإن الاتحاد السوفيتي سيقاوم الضغوط الهادفة للتغيير ، سواء اتت هذه الضغوط من الخارج أو الداخل ،  من القمة أو القاعدة . وعليه فإنه من المرجح أن الظروف  الجوهرية المتحكمة بالعلاقات السوفيتية الأمريكية  ستبقى. وهذا بدوره يعني أن  من المرجح أن طقوس اجتماعات القمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي تستمر لأمد طويل.[8]

 إن القاءات طويلة المدى التي تنبأ بها ماندلباوم وتالبوت  ستستمر ليس في عهد غورباتشوف وخلفائه بل  ستستمر مع خلفاء خلفائه. لم يكن هناك أي توقعات تتعلق بتغييرات غير كبيرة في العلاقات ين  الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي  وخلص المتنبئان المرتبطان  بمجلس العلاقات الخارجية إلى ما يلي :

بغض النظر عن شخصية قادة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وبغض النظر عن التغيرات التي ستطرأ على مدى الزمن ، فإن قادة البلدين سيواظبون خلال القرن المقبل على التعامل مع القضايا الكبرى ذاتها ، أي مناقشة كيفية الاستمرار بالتنافس مع تجنب الكارثة النووية، وهي القضية التي استهلكت طاقة كل من ذاتها  رونالد  ريغان وميخائيل غورباتشوف خلال النصف الثاني  من العقد الثامن في القرن العشرين. [9]

لكن وعلى عكس ما توصل إليه الخبراء في واشنطن الذين عجزوا عن توقع أي شيء ، فإن اللجنة الدولية أشارت إلى أن حكومة غورباتشوف كانت علامة على مرحلة حاسمة  وجديدة من مراحل أزمة الستالينية،  حيث تناولت في تصريح في الثالث والعشرين من شهر آذار –مارس- 7198 " أزمة غورباتشوف"  ظهرت في ظل واقع أن كل  الأنظمة   الستالينية العالمية كان يواجه تشنجات  اقتصادية واضطرابات اجتماعية حركت الجماهير. ففي كل مرة ، من بكين حتى بلغراد ، كانت استجابة البيروقراطية الستالينية تندرج بشكل أوضح في إطار ترميم الرأسمالية.[10]

إن السردية المتعلقة بالانتصار في  الحرب الباردة تشجع النخبة الحاكمة  على الإفراط في المبالغة في تقدير قوة وقدرات الرأسمالية الأمريكية .إن الرغبة في فرض الهيمنة يفترض  امتلاك الولايات المتحدة القدرة على احتواء القوى السياسية والاقتصادية النابذة التي حررتها الرأسمالية العالمية. لكن حتى في ذروة قوتها فإن مثل هذا المشروع  الهائل يتجاوز إمكانيات الولايات المتحدة. لكن في خضم النشوة التي تلت تفكك الاتحاد السوفيتي فإن الطبقة الحاكمة اختارت تجاهل الأزمة عميقة الجذور وطويلة الأمد التي تعصف بالمجتمع الأمريكي. إن المراقب الموضوعي الذي تابع الأوضاع في كل  من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ما بين العقدين السادس والتاسع  في القرن العشرين  كان يعجز على الأرجح عن تحديد أياً من النظامين عانى  من الأزمة  الأكبر. ففي العقود الثلاثة التي سبقت تفكك الاتحاد السوفيتي ، عانت الولايات المتحدة من حالة أشد من عدم الاستقرار على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .

 ولنقم بمعاينة  أوضاع الإدارات الرئاسية التي تتالت خلال تلك العقود الثلاثة من السنين.

(1) انتهت إدارة الرئيس جون  كيندي  بشكل مأساوي في شهر تشرين الثاني – نوفمبر- 1963 إثر عملية اغتيال سياسية  وسط تصاعد التوترات الاجتماعية والأزمات الدولية .

(2) وعجز ليندون ب. جونسون، خليفة كيندي، عن الحصول على الترشيح لرئاسة  ثانية في 1968 ، نتيجة للاحتجاجات  وللمعارضة الجماهيرية لغزو فيتنام .

(3) وأجبر الرئيس ريتشارد نيكسون على الاستقالة من منصبه في شهر آب –اغسطس- من عام 1974 بعد أن صوتت اللجنة القانونية في الكونغرس موافقة  على  إدانته بالتهم الموجهة إليه في جريمة خرق الدستور.

(4) جيرالد فورد الذي صار رئيساً بعد استقالة نيكسون  هزم في انتخابات تشرين الثاني – نوفمبر- 1976 نتيجة للرفض الشعبي  لجرائم نيكسون، وهزيمة  الولايات المتحدة عسكرياً في فيتنام .

(5) جيمي كارتر فلم يمض سوى ولاية رئاسية واحدة في ظل أزمة تضخم رفعت  معدل الفائدة الاتحادية الرئيسية إلى 20%    . وشهدت رئاسته إضراب عمال المناجم على مستوى وطني استمر ثلاثة أشهر، وعاشت تداعيات الصدمة التي تلت الثورة الإيرانية .

(6)كانت سنوات رونالد ريغان في الحكم، على الرغم من الدعاية الصاخبة التي رافقتها مثل  برنامج الدعاية  التلفزيوني الذي حمل عنوان "هو الصباح مرة أخرى في أمريكا"، فترة كساد وتصاعد التوتر الاجتماعي، بالإضافة إلى سلسلة من الكوارث على صعيد السياسة الخارجية في الشرق الأوسط وفي أمريكا الوسطى.  وكاد الكشف عن مخطط غير قانوني لتمويل العمليات شبه العسكرية  في نيكاراغوا ( في إطار أزمة إيران-  كونترا) أن ينتهي بإدانة ريغان وعزله. لكن تم إنقاذ  إدارة الرئيس  بفضل قيادة الحزب الديمقراطي التي لم ترغب في  عزل  الرئيس الذي كان ضعيفا سياسيا ويعاني بالفعل من علامات العته.

إن العامل المشترك الثابت الذي واجهته كل تلك الإدارات ، من كيندي حتى ريغان ، تمثل بتآكل وضع الولايات المتحدة على المستوى الاقتصادي العالمي. إن هيمنة  أمريكا بدون منازع على المال والصناعة  عند نهاية الحرب العالمية الثانية  كانت بمثابة  أسس نظام  بريتون  وودز  المتعلق بالتحويل من الدولار إلى الذهب ، مشكلاً بذلك قاعدة  النمو الرأسمالي  العالمي واستقراره ، لكن في نهاية العقد الخامس من القرن العشرين تعرض ذلك النظام إلى ضغوط متصاعدة   .وشهدت فترة إدارة جون كيندي بروز أول المؤشرات على اختلال ميزان تجارة الولايات المتحدة الأمر الذي أثار الكثير من القلق . وفي الخامس عشر نت شهر آب – أغسطس- 1971 قام الرئيس نيكسون بشكل مفاجئ بوضع حد لنظام بريتون وودز, أي نظام أسعار الصرف العالمية الثابتة القائمة على دولار التحويل بمعدل 35 $ للأونصة من الذهب . وخلال العقدين السابع والثامن من القرن العشرين كان تراجع معدل تحويل الدولار انعكاساً لتدهور اقتصاد أمريكا.

إن الاستجابة العدوانية التي  أظهرتها الولايات المتحدة تجاه تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 كانت انعكاساً لضعف الرأسمالية الأمريكية ، وليس انعكاسًاً لقوتها. إن الدعم  الساحق الذي ابدته النخبة  الحاكمة  للسياسة الخارجية  شديدة العدوانية جاء من وهم حول قدرة الولايات المتحدة على عكس مسار التدهور المستمر لوضعها ضمن النظام الاقتصادي العالمي من خلال نشر قوتها العسكرية الهائلة .

  إن كتيب دليل  التخطيط الدفاعي الذي أصدرته وزارة الدفاع  في شهر شباط – فبراير- 1992 أكد دون أي لبس طموحات إمبريالية الولايات المتحدة بتحقيق الهيمنة:

هناك دول  أخرى  محتملة أو تحالفات  يحتمل أن تقوم في المستقبل القريب بتطوير أهداف استراتيجية ومواقع دفاعية للهيمنة على المستوى الإقليمي أو على المستوى الشامل، وبالتالي ستقوم استراتيجيتنا الآن على إعادة التركيز بهدف منع بروز أي منافس محتمل على المستوى الشامل.   href="#ftn11" id="body_ftn11">11

شهد العقد التاسع من القرن العشرين  المثابرة على استخدام قوة الولايات المتحدة العسكرية وبشكل بارز خلال حرب الخليج الأولى، وما تلاها في حملة تقسيم يوغوسلافيا . وتم تنفيذ عملية  وحشية و إعادة هيكلة دول منطقة البلقان الأمر الذي  قاد إلى حرب أهلية بين الأشقاء ، وبلغ الوضع ذروته خلال حملة القصف التي قادتها الولايات المتحدة بهدف إجبار صربيا على قبول انفصال إقليم كوسوفو. وشهد ذلك العقد من السنين عمليات عسكرية كبرى،  تضمنت التدخل في الصومال الذي انتهى بكارثة ، واحتلال هاييتي عسكرياً، وقصف السودان وافغانستان ، وغارات متكررة على العراق.

وجاءت أحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر-2001 لتوفر فرصة شن " الحرب على الإرهاب" ، وهو شعار دعائي وفر تبريرات من كل الأنواع، لعمليات عسكرية عبر الشرق الأوسط  , وآسيا الوسطى ، وبمعدلات متصاعدة في افريقيا . إن أحداث أيلول منحت إدارة بوش حجة لمأسسة الحرب بوصفها أداة مشروعة وعادية من أدوات سياسة الولايات المتحدة الخارجية .

وفي خريف عام 2001 امرت إدارة الرئيس بوش الابن ( الثاني ) بغزو أفغانستان، وخلال العديد من الخطابات التي تلت الحادي عشر من ايلول استخدم بوش عبارة " حروب القرن الحادي والعشرين". وفي هذه الحالة فإن هذا الرئيس  تكلم بشكل دقيق على الرغم من عجزه عادة  عن التعبير  عن افكاره  . إن " الحرب ضد الإرهاب " كان مخطط لها ، منذ البداية ،  لتكون على شكل عمليات عسكرية لا نهاية لها تشمل الكوكب بأسره، وكل حرب كانت بالضرورة تقود إلى حرب أخرى ، وتبين أن أفغانستان كانت بمثابة بروفة تجريبية مهدت لغزو العراق .

تمت مراجعة استراتيجية الولايات المتحدة العسكرية بما يتوافق مع العقيدة الجديدة " الحرب الوقائية " التي تبنتها الولايات المتحدة عام 2002. إن هذه العقيدة تخرق القانون الدولي القائم ،حيث نصت على منح الولايات المتحدة القدرة على مهاجمة أي بلد تعتقد انه يمثل تهديداً محتملاً، ولا يقتصر هذا على التهديد العسكري بل يشمل الجانب الاقتصادي المتعلق بالمصالح الأمريكية.

 وبمنتهى الخفة  والبراعة اللفظية بررت إدارة بوش غزو العراق بوصفه " حرباً  وقائية"   تم شنها   رداً على تهديد وشيك كانت تشكله  "أسلحة الدمار الشامل" في العراق على الأمن القومي للولايات المتحدة. وطبعاً لم يكن هناك تهديد  حيث لم يكن  لدى صدام حسين أسلحة دمار شامل.   وفي أي حال كانت إدارة بوش تجعل من المستحيل تقريبا  تحديد الفرق بين الحرب الاستباقية والحرب الوقائية  من خلال افتراض امتلاك الولايات المتحدة حق مهاجمة أي بلد بغض النظر عن وجود أو عدم وجود تهديد كبير لأمن الولايات المتحدة القومي.  إذن وبغض النظر عن التنميق اللفظي المستخدم من قبل الرؤساء الأمريكيين  لأغراض دعائية، فإن  الولايات المتحدة ظلت متمسكة بعقيدة الحرب الوقائية غير المشروعة .

كان نطاق العمليات العسكرية يتسع بشكل مستمر.  وتم  خوض حروب جديدة في حين كانت الحروب القديمة مستمرة.  وتم استخدام حجة الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل مثير للسخرية  لمهاجمة ليبيا والإطاحة بحكومة معمر القذافي عام 2011 ، وتم استخدام الحجة الواهية  ذاتها لشن حرب بالوكالة ضد سوريا ، وكانت حصيلة تلك الحروب الإجرامية موت ومعاناة أعداد لا حصر لها من الضحايا البشرية.

إنه من الضروري دراسة الحروب التي  اشعلتها الولايات المتحدة خلال الربع قرن الأخير بوصفها  أحداث مترابطة.  إن منطق استراتيجية الولايات المتحدة لفرض هيمنتها الشاملة يتجاوز عمليات النزعة الاستعمارية الجديدة في الشرق الأوسط وفي أفريقيا.  أما الحروب الإقليمية القائمة فتندرج ضمن  العناصر المكونة للمواجهة المتصاعدة بسرعة بين الولايات المتحدة  وكل من روسيا والصين .

إن النظر  عبر موشور جهود أمريكا لفرض سيطرتها على أراضي منطقة أوراسيا ذات القيمة الاستراتيجية الكبرى يساهم في  كشف أهمية أساسية لأحداث 1990-1991. لكن المرحلة الأحدث من الصراع الدائر بهدف  الهيمنة على العالم ، والذي يمثل لب الصراع مع روسيا والصين ، ستحمل إلى الواجهة بروز التوترات الكامنة و القابلة  للانفجار بين الولايات المتحدة وحلفاءها الحاليين من القوى الإمبريالية بما في ذلك ألمانيا بوصفها  أهم المنافسين المحتملين .

إن الحربين العالميتين اللتان اندلعتا  في القرن العشرين لم تكونا نتيجة سوء تفاهم.  والماضي هو بمثابة مقدمة ( للمستقبل) . كما  كانت اللجنة الدولية قد تنبأت في 1990-1991 بأن يؤدي سعي الولايات المتحدة لتحقيق الهيمنة الشاملة إلى إحياء  التنافسات الإمبريالية التي   تغلي تحت سطح السياسة العالمية.

ففي أوروبا بدأت ترتفع أصوات منددة بدور الولايات المتحدة بوصفها الحكم الأخير في شؤون العالم. وضمن هذا السياق نشرت صحيفة الشؤون  الخارجية  الناطقة باسم مجلس العلاقات الخارجية واسع النفوذ ، مقالاً استفزازياً  لوزير خارجية ألمانيا فرانك – والتر- شتانماير  تضمن تحدياً  حادا لافتراض واشنطن قدرتها على تعزيز  هيمنة الولايات المتحدة الشاملة، ، وجاء في المقال:

حافظت ألمانيا على استقرارها في حين ترنحت وتعثرت الولايات المتحدة من تداعيات حرب العراق ، وفي وقت واجه الاتحاد الأوروبي سلسلة من الأزمات...

 واليوم  يصارع كل من الولايات المتحدة وأوروبا للحيازة على الزعامة الشاملة. إن غزو العراق عام 2003 أضر بمكانة الولايات المتحدة في العالم.  فبعد الإطاحة بصدام حسين  اجتاحت العراق موجات من العنف المذهبي ، وبدأت قوة الولايات المتحدة في الإقليم تضعف. ولم يقتصر الأمر على فشل إدارة  جورج دبليو بوش في إعادة ترتيب الإقليم باستخدام  القوة  بل أن  التداعيات السياسية والاقتصادية وتلك المتعلقة بالقوة الناعمة  لهذه المغامرة اضرت بمكانة الولايات المتحدة . إن وهم العالم أحادي القطب قد تلاشى.[12]

وفي  توبيخ موجه إلى الولايات المتحدة ، كتب شتاينماير: " إن تجربتنا التاريخية دمرت كل اعتقاد بوجود أمة استثنائية ، وهذا ينطبق على أي أمة ".[13]

إن الصحافيين والأكاديميين الذين يعملون في إطار السردية الرسمية المتعلقة بالدفاع عن حقوق الإنسان  والحرب على الإرهاب لا يقدرون على تفسير سبب تصاعد الصراعات منذ حرب الخليج 1990-1991، وصولاً لتوسع الناتو شرقاً ثمانمائة ميل، و انتقال محور الاهتمام الأمريكي باتجاه آسيا. إن الولايات المتحدة وحلفاءها يلعبون لعبة الحرب في شرق أوروبا بالقرب من حدود روسيا على أساس منتظم، و على مشارف مناطق استراتيجية بالقرب من سواحل الصين .ولا يصعب على المرء تصور وضع تتلاحق أحداثه ، نتيجة لحسابات متعمدة أو لخطأ نتيجة تهور  في الحسابات ، لتصل إلى مجابهة بين قوى تمتلك أسلحة نووية. وقد شهد عام 2014 ، مع اقتراب  الذكرى المئوية لاندلاع الحرب العالمية الأولى ، صدور العديد من الدراسات   العلمية  حول أوجه التشابه بين حالات التوتر القائمة يومنا هذا مع تلك  التي كانت سائدة وقادت إلى كارثة الحرب في شهر آب – أغسطس- من عام 1914.

ومن نقاط التشابه  بين عام 1914 وأيامنا هذه واقع تنامي  الشعور بين أوساط الاستراتيجيين العسكريين والسياسيين بأن الحرب بين الولايات المتحدة و الصين و \ أو  روسيا يمكن أن تكون حتمية . إن انتشار هذه الفرضية القدرية  يترك أثر على أحكام وتصرفات أهم صناع القرار في أعلى مستويات الدولة ، ويتحول إلى عامل ديناميكي  يجعل من اندلاع فعلي للحرب امراً مرجحاً. وحول هذه النقطة كتب مؤخراً اختصاصي في الجيوسياسة الدولية :

ما أن يسود الاعتقاد بعدم إمكانية تفادي الحرب حتى تتغير حسابات الزعماء والعسكريين. وتتحول القضية من مسألة تحديد  إن كان هناك سبب أو ضرورة لشن الحرب، لتصبح مسالة تحديد أين يمكن خوض الحرب يشكل يضمن الأفضلية لنا  . وحتى الأشخاص الذين لا يتوقون لشن الحرب ولا يتفاءلون بعواقبها يمكن أن يحولوا خياراتهم باتجاه خوض الحرب في حال عملوا ضمن إطار فكرة حتمية الحرب. [14]

لم يسد، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ، هذا القدر من مخاطر اندلاع حرب عالمية.  وتتعزز هذه المخاطر نتيجة لواقع المستوى المحدود للوعي  الشعبي بهذا التهديد.  وقد يتساءل المرء عن   النسبة المئوية من الشعب الأمريكي  التي أدركت  أن الرئيس باراك اوباما التزم رسمياً بزج الولايات المتحدة في حرب دفاعاً عن إستونيا في حال اندلاع حرب بين تلك الدولة الصغيرة المطلة على بحر البلطيق وبين روسيا؟ وقد أحجمت وسائل الإعلام ، ربما من قبيل الأدب ، عن سؤال الرئيس عن العدد المتوقع من البشر الذين سيفنون في حال اندلاع حرب نووية بين الولايات المتحدة والصين أو روسيا أو ربما الاثنين معاً.

عشية الحرب العالمية الثانية حذر ليون تروتسكي من كارثة تهدد ثقافة  كل الجنس البشري  .وثبت أنه كان محقاً ، فخلال أقل من عقد من السنين أودت الحرب العالمية الثانية بحياة أكثر من خمسين مليون إنسان . ومن جديد يجب  قرع جرس الإنذار ، ويجب إعلام الطبقة العاملة والشباب في الولايات المتحدة وفي سائر أرجاء العالم بالحقيقة.

إن التطور التقدمي نحو اقتصاد عالمي مندمج على مستوى العالم لا يتوافق مع الرأسمالية ولا مع نظام الدولة- الأمة . إن منع نشوب الحرب وتفادي وقوع كارثة شاملة يتطلب إقامة حركة جماهيرية أممية قوية، مستندة إلى برنامج  اشتراكي ، ويسترشد على الصعيد الاستراتيجي بمبادئ الصراع الطبقي الثورية . بالتعارض مع الجيو بوليتيك الإمبريالية ، والتي تدفع  الدول القومية لخوض  قتال وحشي من أجل الهيمنة الإقليمية والعالمية، فإن اللجنة الدولية  تطرح إستراتيجية الثورة الاشتراكية العالمية.  وكما قال ترونسكي " نحن لا نتبع خارطة الحرب بل نسير على خارطة الصراع الطبقي" .[15]  

لقد شهدت الأسابيع التي سبقت غزو العراق عام 2003 مظاهرات جماهيرية احتجاجاً على سياسة الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وحلفاءها حيث نزل الملايين إلى الشوارع، لكن بعد اندلاع الحرب ، اختفت المعارضة الشعبية عملياً. إن غياب الاحتجاج الشعبي لا يعني وجود دعم للحرب بل يعكس رفض  حركة احتجاج الطبقة الوسطى القديمة لمواقفها المناهضة للإمبريالية كما ظهرت خلال حقبة حرب فيتنام.

ثمة مؤشرات متزايدة على نمو  المواقف السياسية الراديكالية بين  أقسام هامة من الطبقة العاملة والشباب .  أنها ليست سوى  مسألة وقت قبل أن يؤدي هذا التوجه الراديكالي إلى تشكيل معارضة واعية مناهضة للحرب .  إن هذا الكتاب يهدف لتزويد الحركة الجديدة المناهضة للحرب بمنظورً وبرنامج  ثوري  اشتراكي وأممي.

***

[1]  See “August 1990: On the Eve of the First US-Iraq War,” Part 1, A Quarter Century of War.

[2] Mark Landler, “For Obama, an Unexpected Legacy of Two Full Terms at War,” New York Times, May 14, 2016.

[3] Public Papers of the Presidents of the United States: George H.W. Bush, State of the Union address, January 29, 1991. www.presidency.ucsb.edu/ws/?pid=19253

[4]  R. Craig Nation, War on War: Lenin, the Zimmerwald Left, and the Origins of Communist Internationalism (Durham and London: Duke University Press, 1989), p. 173

[5] Melvyn P. Leffler, The Specter of Communism: The United States and the Origins of the Cold War, 1917–1953 (New York: Hill and Wang, 1994), p. 6.

[6] William Appleman Williams, The Tragedy of American Diplomacy (New York and London: W.W. Norton & Company, 1972), pp. 105–06

[7] Ibid., p. 105.

[8] Michael Mandelbaum and Strobe Talbott, Reagan and Gorbachev, (New York: Vintage Books, 1987), p. 189.

[9] Ibid., p. 190.

[10] Statement of the International Committee of the Fourth International, “What is Happening in the USSR? Gorbachev and the Crisis of Stalinism,” Fourth International, June 1987, p. 37.

[11] US Department of Defense, Defence Planning Guidance ( as published by the New York Times, March 8, 19920

http://nsarchive.gwu.edu/nukevault/ebb245/doc03_extract_nytedit.pdf. Also known as the Wolfowitz Doctrine, the February 18, 1992 twenty-four-page memorandum was leaked to the New York Times on March 7, 1992.

[12]  Frank- Walter Steinmeir , " Germany`s New Global Role: Berlin Steps Up" Foreign Affirs vol. 85, no. 4 : ( July- August , 2016), p.106-107

[13] المصدر السابق ص. 110.

[14]  Steven E. Miller, " The Sarajevo Century – 1914 and the rise of China ," in Richard N. rosecrance and Steven E. Miller , eds., The Next Great War? The Roots of World War I and the Risk of U.S – china conflict, ( Cambridge, M A. The MIT Presse, 2014). P. xi,

[15] ' War and the Fourth International ," Writings of Leon Trotsky 1933-1934 (  New York : Pathfinder Press, 1998), p.305