اعتذار نتنياهو لهتلر!

٢٣ تشرين الأول أكتوبر ٢٠١٥

أنحى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو باللائمة على القيادة الوطنية الفلسطينية عن محرقة اليهود في أوروبا(الحل النهائي) "الهولوكوست" يوم الثلاثاء . وقال متحدثا في المؤتمر الصهيوني العالمي ال37 فى القدس ، إن إبادة ستة ملايين يهودي أوروبي حرقا في غرف الغاز، لم تكن فكرة هتلر ولكنها كانت فكرة مفتي القدس ، الذي كان مسئولا عن المواقع الإسلامية في المدينة. 

وادعى نتنياهو أن هتلر "لم يكن يريد إبادة اليهود في ذلك الوقت، بل كان فقط يريد طردهم". "ولكن الحاج أمين الحسيني ذهب إليه، وقال له: "إذا قمت بطردهم، سوف يأتون إلى هنا في فلسطين [التي كانت تحت الحكم البريطاني]. فسأله هتلر: ''وماذا عساي أن أفعل بهم؟" قال [الحسيني]، "احرقهم ".

إن هذه الرواية بأكملها عن المحادثة بين هتلر والحسيني هي محض افتراء.

وكان الحسيني، وهو زعيم القوميين البرجوازيين في فلسطين، توجه إلى ألمانيا طلبا للمساندة ضد البريطانيين، الذين أطلقوا في عام 1917 وعدا "وعد بلفور" يقضي بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. حيث كان الحسيني مناهضا لفكرة إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وكذلك لهجرة اليهود إليها، والتقى هتلر في 28 نوفمبر 1941، لكن المحضر الرسمي للاجتماع لم يشر إلى أي من هذه التصريحات. في واقع الأمر، لا يوجد دليل على أن الحسيني كان حتى على علم بموضوع "الحل النهائي"، بالنظر إلى أنه تم إخفاء ذلك الأمر لسنوات.

وكانت الخطة لتصفية اليهود هي في الأصل خطة هتلر، ففي يناير 1939، أي قبل أكثر من عامين من اجتماعه مع الحسيني، كان هتلر قد خاطب الرايخستاغ، برلمان ألمانيا النازية، متحدثا بوضوح عن نيته لإبادة العرق اليهودي.

وكان التنصل من تصريحات نيتانياهو من قبل كل من المؤرخين، والناجين الإسرائيليين من المحرقة ، وكذلك السياسيين حول العالم كاسحا تقريبا. وهو الذي أعلن تأييده علنا ​​مع المدافعين عن هتلر وتحالف مع هذه القوى الرجعية أمثال جورغ  باباروفسكي ، أستاذ تاريخ أوروبا الشرقية في جامعة هومبولت في برلين، الذي جاهر بدعم المدافع عن النازية ارنست نولت، معلنا، "كان هتلر لا مختل عقليا، ولا كان شريرا". وبناء على مثل هذه الأكاذيب حول النوايا السلمية لهتلر، فسوف يشعر كل الفاشيون الجدد الآن بالحرية في تبني هذه الآراء.

وقد قالت أنجيلا ميركل، المستشارة الألمانية ، التي كانت تقف جنبا إلى جنب مع نتنياهو في مؤتمر صحفي بالإحراج  يوم الاربعاء ان المسؤولية عن المحرقة تقع على عاتق الألمان. كما أضاف المتحدث باسمها شتيفن زايبرت، "جميع الألمان يعرفون تاريخ الهوس الهوس العرقي القاتل من جانب النازيين مما أدى إلى القطيعة مع الحضارة  وهي المحرقة... وأردف قائلا: "ونحن نعلم أن المسؤولية عن هذه الجريمة ضد الإنسانية هي مسؤولية ألمانية وتعنينا كثيرا".

لم يكن اعتذار نيتانياهو لهتلر مجرد تصريحات مرتجلة ، ولكنه جاء جزءا من خطاب معد مسبقا. ولم تكن تلك المرة الأولى التي يذكر فيها هذا الإدعاء. فقد ، إتهم سبق أن سجل له ادعاء مماثل في عام 2012 فيه الحسيني على أنه "واحد من أبرز مهندسي" الحل النهائي.

ليس المفتي هو، بطبيعة الحال، الهدف الرئيسي من هذه  التحريفية التاريخية التاريخية التي يسوقها نيتانياهو. لكن هدفه ليس أقل من إسناد جرائم النازيين إلى الفلسطينيين.

لا يتحمل الفلسطينيون أي مسؤولية مهما كان نوعها عن المحرقة. فقد كانت المحرقة نتاج تناقضات المجتمع الرأسمالي الأوروبي، في ظل ظروف انفجار الحرب العالمية الثانية، التي تقودها الإمبريالية الألمانية. فقد نشأت ضراوة الإبادة النازية من تفاعل بين عمليتين: مخاوف الطبقة الرأسمالية من الحركة العمالية الاشتراكية ، وإرث طويل وضار من كراهية الأوروبيين لليهود ، والذي تطور إلى معاداة السامية السياسية.

إن الغرض السياسي من تصريحات نيتانياهو البغيضة هو واضح: أنه جاء بعد أيام قليلة من قيام حكومته بوضع إسرائيل على  أساس حرب أهلية، مع الإعلان عن التدابير التي وضعت المواطنين والمقيمين الفلسطينيين في إسرائيل تحت الحكم العسكري بحكم الأمر الواقع. مما يوحي بأنه اذا كان الفلسطينيون هم المسئولون عن المحرقة، بناء على اتهام نيتانياهو الملفق، فإن "كل شيء يصبح مباحا" في صراع وجودي لإلحاق الهزيمة بهم.

بالفعل، وقد نفذت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حصارا استمر ثماني سنوات على غزة، حارما سكانها الضروريات الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية والوقود ومواد البناء، مما يجعلها أكثر قليلا من مجرد سجن في الهواء الطلق، لا تختلف عن غيتو وارسو. في العام الماضي، قتل أكثر من 2000 من سكان غزة في عملية "الدرع الواقي"، وجرح 11000نسمة كما نزح 520000 نسمة بسبب حملة القصف التي تركت المنطقة بأكملها في حالة خراب. وعليه يمكن للمرء أن يتخيل الكابوس القادم الذي يعتزم نيتانياهو تنفيذه.

وجهات نظر نتنياهو لها تاريخ طويل، وهو الذي يرأس حزب الليكود، الحزب الذي ينحدر من بقايا حزب حيروت والجناح اليميني المتطرف في الحزب التحريفيي الذي أسسه في فلسطين فلاديمير جابوتنسكي في  السنوات العشرينات تسعة عشر، سعيا لمحاكاة الأنظمة السياسية الفاشية في ألمانيا وإيطاليا وبولندا. كما إن والد نتنياهو، وهو ناشط ناشط التحريفي، أصبح لاحقا السكرتير الشخصي لجابوتنسكي.

كما يشرح ليني برينر بقدر كبير من التفصيل في “الصهيونية في عصر الطغاة”، فإن التحريفيين لم يحركوا ساكنا لمعارضة اضطهاد يهود أوروبا، ولكن بدلا من ذلك تعاونوا مع الفاشيين من أجل تحقيق الهجرة الجماعية إلى فلسطين لجعل المشروع الصهيوني قابلا للتنفيذ.

وقد شارك هؤلاء التحريفيون في الأنشطة الإرهابية، التي نفذت من قبل عصابات الإرجون وشتيرن بقيادة كل من مناحيم بيغن واسحق شامير واللذين أصبحا فيما بعد رؤساء لوزارات في إسرائيل، وقد أجيزت نشاطاتهم من قبل الصهاينة العماليين. قاد بيغن المجزرة الشهيرة في دير ياسين، حيث قتل جميع سكان القرية وعددهم 254 نسمة، والتي لعبت دورا رئيسيا في دفع الفلسطينيين لمغادرة منازلهم وأراضيهم كشرط أساسي لتأسيس دولة إسرائيل.

لقد كان هؤلاء  التحريفيون قوة فقدت مصداقيتها السياسية في السنوات الأولى لتأسيس الدولة الصهيونية، ، لكنهم في وقت لاحق أصبحوا حيروت، وفي نهاية المطاف حزب الليكود، انضم حزب العمل في حكومة الوحدة الوطنية خلال حرب عام 1967. منذ هزيمة حزب العمال في انتخابات عام 1977، استمر قادتهم في السلطة (إما الليكود أو فرعه كاديما) لمدة 32 سنة من السنوات ال 38 الماضية.

نيتانياهو هو ابن أبيه، يتبنى وجهات نظر التنقيحيين، كل من إعجابهم بالكاد أخفى عن هتلر وكذلك خطتهم للاستيلاء على فلسطين كلها وطرد أو إبادة سكانها الحاليين. خلال عمله لمدة تسع سنوات كرئيس للوزراء، تحول بالسياسة الإسرائيلية أكثر فأكثر إلى اليمين، وشجع حركة المستوطنين القومية المتطرفة والمتعصبين الدينيين، الذين ذهبت هجماتهم العنيفة ضد الفلسطينيين إلى حد كبير دون عقاب.

جان شاؤول