الاشتراكية والهمجية: تأملات في الفوضى الشاملة.

٥ شباط فبراير ٢٠١٨

في شهر أكتوبر 2017 ، ألقى دافيد نورث محاضرة بمناسبة مئوية ثورة أكتوبر في معهد سانت أندروز في سكوتلاندا، وقبل المحاضرة أجرى معه آدم ستروم ، رئيس تحرير الصحيفة الرسمية الناطقة باسم جمعية سانت أندروز الاقتصادية هذه المقابلة ونحن نعيد نشر المقابلة التي سبق أن نشرت في الموقع الإلكتروني للصحيفة في السادس والعشرين من شهر نوفمبر 2017. [www.thestandrewseconomist.com]. 

***

التقى ، هذا الأسبوع ، رئيس التحرير آدم ستروم مع دافيد نورث وهو باحث ماركسي زائر ، وناشط اشتراكي ثوري ، ورئيس حزب المساواة الاشتراكية في الولايات المتحدة.

الخلفية

آدم ستروم: حدثنا بعض الشيء عن نفسكوعن بداياتك في السياسات الاشتراكية؟

دافيد نورث: أنتمي إلى جيل تجذر سياسياً خلال العقد السادس من القرن العشرين . كان جيلي ، بطبيعة الحال، متأثراً بعمق بحرب فيتنام الدائرة. لكن إذا انتقلنا إلى مستوى أكثر جوهرية كان الاتجاه نحو الراديكالية رد على فظائع الفاشية والحرب العالمية الثانية . عشرات ملايين القتلى ، و عمليات الإبادة الجماعية لليهود، وضرب مدينتين عاجزتين عن الدفاع بقنبلتين ذريتين من قبل الولايات المتحدة كل هذا ضغط بقوة علينا.

هذا التاريخ القريب كان له صدى قوي فيما يتعلق باستجابتنا للأحداث المعاصرة.

وضمن هذا السياق التاريخي أدت الحرب الفظة التي شنتها الولايات المتحدة ضد فيتنام إلى تدهور مصداقية النزعة الليبرالية المناهضة للشيوعية. إن إدعاءات الولايات المتحدة بأنها تدافع عن " العالم الحر" فقدت كل مصداقيتها في أوساط فئات واسعة من الطلاب و الشباب . وبدأ الشباب في البحث عن بديل للرأسمالية وللإمبريالية واكتسبت الاشتراكية شعبية متصاعدة.

لكن ما هي الاشتراكية ؟ كان هناك مثال الثورة الروسية ، لكن حقيقة الديكتاتورية الستالينية ولدت لدى الكثيرين شكوك جدية حول أن تكون الثورة خيار قابل للحياة. ولهذا صار مصير الثورة سؤالاً مركزياً. ولم يكن من الممكن الإجابة عن الأسئلة إلا من خلال دراسة تاريخ نضال تروتسكي ضد الستالينية وضد الديكتاتورية البيروقراطية ، ومن خلال قراءة بعض الكتب مثل الثورة المغدورة نتبين بوضوح أن الستالينية والديكتاتورية البيروقراطية لم تمثلا المسار الحتمي للثورة الاشتراكية، وقادتني دراسة هذا التاريخ لأصبح ماركسياً وتروتسكياً.

آ.س: ما هي أهداف حزب المساواة الاشتراكية، وكيف تطور الحزب على مر الزمن؟

د.ن. : إن حزب المساواة الاشتراكي متضامن سياسياً مع اللجنة الدولية للأممية الرابعة . تم تأسيس الأممية الرابعة من قبل ليون تروتسكي عام 1938 رداً على خيانة ثورة أكتوبر والثورة الاشتراكية العالمية من قبل ستالين و الستالينية وقد انبثقت الحركة التروتسكية الأمريكية من هذا الانشقاق التاريخي. إن هدفنا هو استبدال النظام الرأسمالي القائم ، كما هو مطبق في الولايات المتحدة وفي العالم، بالسيطرة الديمقراطية على وسائل الإنتاج وبإدخالالتخطيط العلمي . ونحن نعتقد بقوة أنه عبر هذه الطريقة ستتمكن الطبقة العاملة من إقامة نظام اقتصادي لا يقوم على كدح الأفراد في سبيل الثروة والربح بل على القضاء على الفقر وخلق ديمقراطية سياسية أصيلة. وعبر القيام بهذا ستقوم الطبقة العاملة بالقضاء على أسباب الحرب وعلى القمع السياسي وعلى جميع الأشكال الأخرىمن قمع القيم والطموحات الإنسانية الأصيلة.

التحليل النظري.

آ.س.: ما هو سبب أن الرأسمالية هي نظاماقتصادي إشكالي؟ هل يمكن إصلاحه؟ وإذا كان الرد بالنفي فما هو السبب؟

د.ن: إن المفهوم الماركسي المادي للتاريخ ينظر إلى الرأسمالية في إطار صراع الإنسان مع الطبيعة بهدف ضمان بقائه. إن الرق ، والإقطاعية ، و" نمط الإنتاج الآسيوي" ، والرأسمالية تمثل مراحل في التطور التاريخي لقوى الإنتاج البشرية.

تعتمد الرأسمالية على استغلال الطبقة العاملة . إن تحقيق الأرباح يمر بالضرورة عبر انتزاع القيمة الفائضة من الطبقة العاملة وعلى الرغم من أن نظرية ماركس حول القيمة تجابه باعتراضات شرسة لكن كل رأسمالي يدركأن الربحية تعتمد على عمل الطبقةالعاملة.

إن ميل معدل الربح للانخفاض ينبثق لا محالة من تطور القوى المنتجة. إن جهود الرأسماليين لكبح هذا الميل يقود بالمقابل إلى مستويات أعلى من الاستغلال ويعزز شدة الصراع الطبقي.

إن الصراع الطبقي في أيامنا هذه يتطور ضمن إطار اقتصاد عالمي محدد بالإنتاج والتبادل المندمج دولياً . وتتعاظم صعوبة تحديد مكان إنتاج أية بضاعة بشكل دقيق.

إن التناقض بين الطابع العالمي للقوة المنتجة واستمرار نظام الدول القومية الذي تجاوزه الزمن يتظاهر سياسياً في انبعاث الشوفينية ، واضطهاد اللاجئين ، واشتداد مخاطر حرب عالمية ثالثة .

تم تفكيك الاتحاد السوفيتي عام 1991 وصار لدينا أكثر من25 عام لنرى ما الذي يمكن أن تقوم به الرأسمالية في ظل غياب أي تهديد من قبل الاشتراكية. ونحن نشهد حالياً انبعاث أعراض تشبه الفاشية ، وهذه هي المظاهر السياسية لعلة اقتصادية كامنة. إن أصل هذه العلة هو الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج ووجود نظام سياسي قائم على أساس الدول القومية وهو غير متوافق مع النظام الاقتصادي المعولم.

ومن هنا نجد أن كل دولة منخرطة في صراع ضار للبقاء يتضمن سياسات اقتصادية "إفقار الجار"، وحروب تجارية ، وحروب العملة، وفرضالحدود، وطرد اللاجئين ، وما إلى ذلك.

وكل هذا يشهد على إفلاس النظام الرأسمالي.

هل يمكن إصلاحه؟ لا. فبعد الحرب العالمية الثانية هيمنت السياسات الإصلاحية القائمة على أساس قومي على كل الدول واحدة تلو الأخرى . وبعد حربين قاربت البورجوازية على فقدان مصداقيتها . ومع ذلك كان هناك مجموعة ضخمة من الآليات التي تم ابتداعها لمحاولةاحتواء الأزمة لكنها فشلت الواحدة تلو الأخرى.ومع حلول عام 1971 تبين فشل نظام برتون وودس القائم على أساس قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وجاء بعده أنظمة مالية أخرى مثل تعويم معدلات تبديل العملة .لكن ، وبشكل متصاعد باستمرار، تسبب استمرار هذه التناقضات في دفع تطور الأزمات ونحن اليوم نعيش في مرحلة متقدمة جداً من الأزمة .

أ.س.: إن الماركسية ، والاشتراكية بشكل أعم ، نظريتين قويتين سياسياً ومثيرتين للجدل بين الدوائر السائدة، كما أنهما عرضة للتحريف والتشويه لأنه قد تم التذرع بهما من قبل عدد لا يحصى من الحركات على مدى قرون من الصراع. ما الذي تعنيه الماركسية والاشتراكية بالنسبة إليك، وكيف يتعارض هذا مع الكيفية التي تمتعليم العديد من الناس على فهم الأمرين ؟

د.ن: قبل كل شيء ثمة قول مشهور مفاده أنه " إذا كانت البديهيات الهندسية تؤثر على المصالح الاقتصادية فستكون هناك محاولة لدحضها".

تعتبر الماركسية مشاكسة لأنها تطرح نظرية حول التاريخ تؤكد على الطابع الانتقالي للنظام الاقتصادي القائم . إن الماركسية التي استلهمت إلى حد ماهيجل ، تقول أن كل ما هو قائم مصيره الفناء . وكل ما يأتي إلى العالم ، يجيء حاملاً بذور فنائه. لكن بالتعارض مع الهيجلية لم تكتف الماركسية بالتنبؤ بهذا. لقد كشفت عن حقيقة التناقضات الاقتصادية القائمة التي تنتج الأزمات وتخلق شروط الثورة الاشتراكية . وهذه لعنة بالنسبة للبورجوازية التي لا ترغب في سماع أن أيامها معدودة.

إن الماركسية تقدم ، جزئياً، نظرية عن التاريخ تقول أن الرأسمالية ليست أبدية، وهي تقدم نظرة متبصرة حول قوانين وتناقضات الصيرورة الاجتماعية- الاقتصادية. وهي لا تؤكد حتمية الاشتراكية – بمعنى أن الاشتراكية ستقام بشكل أوتوماتيكي – دون تدخل بشري ودون نضال سياسي واع. لكنهاتؤكدأن إلغاء الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج هو أمر يمكن التنبؤ به ضمن إطار الصيرورات الاقتصادية الموضوعية ، كما طورت من عملية موضوعية تصبح فيها الرأسمالية اجتماعية بشكل فعال.

ويرجع الاستخدام الأول لكلمة " اشتراكية " إلى شخص يدعى لونز شتاين في العقد الثاني من القرن التاسع عشر. وقد عرفها بوصفها " علم منهجي يتعلق بالمساواةالاجتماعية" . إن الدور الثوري للطبقة العاملة هو متجذرفيموقعها الموضوعي في نظام الإنتاج.

أ.س.: بوصفك اشتراكياً ما الذي تقوله لأولئك الذين يتهمون الاشتراكية القائمة بالفعل بأنه تتضمن ميل لا يقاوم إلى سياسات الانظمة التسلطية كما كان الحال في الاتحاد السوفيتي أو في الصين الماوية؟

د.ن: قبل أي شيء أقول أن هذا السؤال له مبرراتهحيث أن أي شخص مهتم بالاشتراكية ويسعى لإيجاد طريق يتجاوز الرأسمالية ، يريد بطبيعة الحال معرفة ما الذي جرى للاتحاد السوفيتي؟ و إذا أراد شخص ما تسخير حياته لجعل العالم مكان أفضل فإنه سيترتب عليه أن يسألماذا لو كنت أسعى وراء جنة وهمية؟

في حالة الاتحاد السوفيتي الجواب هو أنه كان هناك ثورة اشتراكية لكن كان هناك ردة فعل قومية وبيروقراطية ضد الثورة، وكان النظام الستاليني تعبيراً عنها. كانت الستالينية مسؤولة عن الإبادة الواسعة للعديد من قادة الثورة الاشتراكية العالمية.

وهنا يبرز السؤال الرئيسي وهو هل انبثقت الستالينية من البلشفية ومن اللينينية أم كان ستالين تشويه منحرف للبلشفية ولمبادئ ثورة أكتوبر؟

ويمكن الوصول للإجابة من خلال طرح التساؤل التالي: خلال صيرورة انحدار الاتحاد السوفيتي هل كان هناك نضال ضد تلك الصيرورة؟ وهنا لا يتعلق الأمر بالتخمين ففي عام 1923 برزت المعارضة اليسارية تحت قيادة ليون تروتسكي الذي طور نقد منهجي لعملية إضفاء طابع بيروقراطي على الدولة وعلى الحزب الشيوعي. وفي عام 1924 طرح ستالين وبوخارين برنامج " الاشتراكية في بلد واحد" . وهذا يعني إمكانية بناء الاشتراكية بشكل مستقل عن الثورات الاشتراكية في بلدان أخرى. أي أن الثورات الأخرى مرحب بها لكن ليست مطلوبة.

استند تروتسكي إلى التقاليد الماركسية وقال أن برنامج الاكتفاء الاقتصادي القومي الذاتي لا يتوافق مع الاشتراكية. إن موقف لينين تجاه السلطة عام 1917 لم يتحدد أساساً بالظروف الروسية بل بالشروط الدولية التي نتجت عن الحرب العالمية الأولى.

دعا تروتسكي إلى الإطاحة بالنظام الستاليني وأدان الدور المناهض للثورة لتلك البيروقراطية وقال أنه في ظل غياب ثورة سياسية فإن سياسات نظام ستالين ستقود في النهاية إلى تدمير الاتحاد السوفيتي . وثبت أنه كان محق.

أ.س.: كيف تختلف التروتسكية ، أي العقيدة النظرية التي اعتنقها ليون تروتسكي وانضم إليها حزب المساواة الاشتراكي عن اللينينية والستالينية والماوية؟

د.ن.: مثل تروتسكي ولينين تقليداً ماركسياً كلاسيكياً. وهذا التقليد مادي، ومعاد بشكل عميق لكل أشكال اللاعقلانية الفلسفية وهو يمنح الطبقة العاملة دوراً ثورياً فريداً. أما الستالينية والماوية وأمثالهما فهي كلها تشويه للماركسية. وبكلمات أخرى أقول أن أي شكل قومي للماركسية هو معادي للماركسيةبشكل أساسي. ففي الاتحاد السوفيتي استخدمت الستالينية جمل ماركسية لتبرير إساءة استخدام السلطة في حين أن لينين وتروتسكي استخدما الماركسية بوصفها أداة للتحليل الاجتماعي- الاقتصادي ولتحديد التوجهات السياسية.

الأحداث الجارية

أ.س: هوغو شافيز ، الزعيم السابقالمنتخب ديمقراطياً في فنزويلا ، خاض الانتخابات على نحو معروفو فاز فيها مراراً على أساس برنامج " الاشتراكية في القرن الحادي والعشرين ". ومع ذلك و منذ وفاته اتهم البعض ، ومن ضمنهم أشخاص من اليسار بما في ذلك نعوم شومسكي، الحكومة الفينزويليةباللجوء إلى إجراءاتتسلطيةمتصاعدة. ما هو موقفك منالوضع الحالي في فنزويلا ، ومن تغطيته من قبل الصحافة الدولية ؟

د.ن: ما من شك أنه قد تم استهداف فنزويلا من قبل الولايات المتحدة حتى أن صحيفة نيويورك تايمز نشرت بشكل مبكر منذ سنوات العقد الأول من القرن الحالي افتتاحية رحبت بإسقاط الحكومة. لكن لا يجوز استخدام جرائم الولايات المتحدة كذريعةلتبرير عملية تمجيد هذه الحكومات ذات الجوهر القومي البرجوازي ، و إذا أعدنا صياغة ما قاله ماركس أقول أننا لا نفهم الناس من خلال التعابير التي يصفون أنفسهم بها وبالتالي لا يمكن أن نحكم على الحكومة الفنزويلية استناداً إلى التسميات التي تضفيها على نفسها خصوصاً تعبير الاشتراكية . ففي العديد من البلدان حيث كانت البرجوازية ضعيفة بشكل استثنائي وحيث وجدت البورجوازية الوطنية نفسها عالقة بين قوتين كبيرتين ، هما الطبقة العاملة والإمبريالية العالمية ، تقوم بعض فئات النخبة الحاكمة بتبني خطاب اشتراكي للمحافظة على الدعم الشعبي . ثم إن برنامج شافيز تم تمويله بالاعتماد على أسعار النفط المواتيةمؤقتاً ‘’.

لكن مع مرور الزمن تبين أن برنامجه الخاص "باشتراكية زائفة " قومية كان وهماً. الاشتراكية تتطلب تنظيم القوى المنتجة على أساس دولي. إن الثورة البوليفارية وغيرها من الأنظمة اليسارية الأخرىطالما كانت مستندة إلى برنامج قومي ، وطالما لم تتمكن الطبقة العاملة من بناء أجهزة السلطة الخاصة بها فمن غير الممكن اعتبارها أنظمة اشتراكية . وبالنتيجة فإن دعمنا الجوهري للطاقات الكامنة لدى الطبقة العاملة في فنزويلا وفي أمريكا اللاتينية يجب ألا يقرأ على أنه دفاع عن النظام.

وقد كانت تغطية أوضاع فنزويلا من قبل الصحافة الدولية رهيبةومنشوراتنا تندد بشكل روتيني بأسلوب تغطيتها وهذا ينطبق بشكل خاص على صحيفة نيويورك تايمز .

أ.س: بالإضافة على عملك لصالح حزب المساواة الاشتراكية فأنت أيضاً رئيس تحرير موقع الاشتراكية العالمية وهي مجلة إلكترونية على الشبكة تواجه حالياً عملية رقابة جدية من قبل غوغل وفيس بوك وغيرها من محركات البحث . كيف تمكنت المجلة اليومية من الظهروما هي الأسباب التي دفعت عمالقة الانترنت لوضعكم على القائمة السوداء ؟

د.ن : في عام 2018 يكون قد مضى عشرون عام على تأسيس صفحة الاشتراكية العالمية وأظن أننا يمكن أن نقول أن اللجنة الدولية اكتشفت بشكل سريع جداً القدرات الثورية الكامنة في ثورة الاتصالات . واهتممنا بالأمر وقررنا عام 1997 استبدال صحيفتنا القائمة بصحيفة إلكترونية يومية هي اليوم موقع الاشتراكية العالمية وعلى مدى عشرين عام طورنا مجموعة قراء هي الأوسع مقارنة مع أي نشرة اشتراكية ثورية.

ولاحظنا خلال الأشهر الستة الماضية تراجع ملحوظ في عدد القراء الذين يدخلون الموقع عبر محرك البحث غوغل ، ورأينا أن عد قراءنا عبر غوغل تراجع بما يقارب 70% حيث استخدم غوغل خوارزميات جديدة بهدف تصفية ما يسمونه " الأخبار المزيفة الكاذبة " ، وهذا التعبير هو في حد ذاته ظاهرة كاذبةلكن تم استخدامه لتبرير عملية القضاء على المواقع التي تشبه موقعنا .

أس: في وقت مبكر من هذا الشهر قمت بإجراء مقابلة مع الصحفي الراديكالي كريس هدجز الفائز بجائزة بوليتزر .، حول السياسات الأمريكية . ما هو وضع السياسات الأمريكية وكيف تؤثر على نظرتك لمسار البشرية وهي تنتقل إلى القرن الحادي والعشرين؟

د.ن: ترامب هو نتاج محيط سياسي واجتماعي وثقافي معتل . بالتالي يجب ألايكون هناك أي ارتباك حول هذا.هيلاري كلينتون هي بدورها مظهراً ، ولو بشكل مختلف، لهذا المرض . إن العديد من الناس الذين تابعوا هذه الانتخابات كانوا واعين بقوة أن الانتخابات دارت بين مرشحين هما الأقل شعبية خلال النصف قرن المنصرم من الانتخابات الأمريكية وهذا يمثل تطور غير مسبوق. إنه نصف قرن من الانحدار الذي لا ينتهي تقريباً.

والآن ما هو ترامب ؟ أشار تروتسكي مرة إلى نظرية التاريخ بخصوص " هتلر السيئ" ومفادها أنه لو أن هتلر اختفى لازدهرت أوروبا مثل حديقة. لقد خرج ترامب من سوق عقارات نيويورك الفاسد ومن وول ستريت ومن أندية القمار في لاس فيغاس وغيرها. وعندما نجمع هذه العوامل تجدون هذا المسخ المسمى دونالد ترامب الذي يمثل وصول البرجوازية الأكثر فظاظة المعاصرة إلى السلطة .

كما أن ترامب هو تجسيد لصيرورتين متداخلتين وشديدتي الخطورة. الأولى هي خلق مجتمع غير متكافئ بشكل كبير.فمنذ وصول ريغان إلى السلطة حيث كان هناك اشتداد كبير في اللامساواة الاجتماعية ، و تركيز الثروات ، إلى مستوى لا يمكن تصوره ، بين أيدي مجموعة المتربعين على القمة من فئة الواحد بالمائة ، والواجد بالألف والواحد بالعشرة آلافمن السكان . وتسيطرهذة القلَّة علىثروات هائلة وهذا مناقض للديمقراطية تمامًا. وبينما حصلت هذه الأوليغارشية على سلطة متزايدة ، كان هناك تآكل في السلطةالتقليدية للمؤسسات الليبرالية وتركيز السلطة في أيدي الجيش وأجهزة المخابرات في الولايات المتحدة وبشكل خاص. وهذه الظاهرة تهيمن على كلا الحزبين الكبيرين بشكل كامل . والحزب الديمقراطي متحالف بشكل أساسيمع وولستريت ومع مجتمع الاستخبارات العسكرية .

والثانية هيومع تركز نسبة كبيرة من الثروات في ذروة القمة ظهر نوع من الحسد بين أولئك الذين يندرجون ضمن فئة العشرة بالمائة الأمر الذي بدأ يعبر عن نفسه على شكل يسار زائف تجلى في نهاية المطاف " بسياسات الهوية " وبالميول الجنسية ، والنوع ، والانتماء العرقي الذي شكل قاعدة لـ"خطاب" يتعلقبالهوية التي وفرت الأساس الإيديولوجي لنمط محدد من السياسات الرجعية بين صفوف الطبقة الوسطى . تهدف الادعاءات المتنافسة للهويات المظلومة في الحقيقة إلى الحصول على حصة من الثروات الهائلة ضمن المستويات العليامن المجتمع. ولا يوجد أي شيء تقدمي فيما يتعلق بهذه السياسات وفق رأيي . إنها سياسات بشعة وأنانيةوحاقدة. وكما هو متوقع وجدت لها جمهور واسع متحمس بين الأكاديميين الذين يعملون في المجالات الإنسانية.

أ.س: ما هي الدوافع التي جعلتك تتمسك على مدى عقود من السنين بالتحريض السياسي؟ ما هي الدروس التي استخلصتها من عملك خلال حياتك وترى أنها قابلة للتطبيق من قبل كل من ناشطي المستقبل والجمهور العام؟

د.ن: تنبع الدوافع من الواقع الموضوعي وعندما يتابع المرء هذا بوصفه شخص واع ويحاول ، بوصفه ماركسي، استخلاص حلول لهذه المشاكل عبر تحليل هذه الأحداث عندها يبدأ المرء بإدراك المخاطر الداهمة التي تواجهنا كمجتمع.

ما هي الدروس؟ ادرس تجربة القرن العشرين ، عود نفسك على قراءة تحليلات تروتسكي حول الاتحاد السوفيتي .اشغل نفسك بالسؤال الأكبر أي كيف يمكننا تفادي تكرار كوارث القرن العشرين؟ في الحقيقةلن تتمكن البشريةمن التعافي في حال تكرار هذه الكوارث.

كان القرن العشرين عصر الثورة والثورة المضادة . وكانت ثورة أكتوبر أول محاولة للبشرية للسيطرة علىمصيرها على أساس إعادة هيكلة واعية للأسس الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع لكننا نعرف أن التغيرات السياسية العظيمة لا تنجز بسهولة .